استرداد أموال المصرفيين المحوّلة إلى الخارج: خطوة نحو ردّ الودائع أم لإنقاذ المصارف؟

المصرفيين

عندما طلب الإدعاء العام المالي، قبل نحو عام، من المصرفيين تقديم معلومات عن الأموال التي حوّلوها إلى الخارج، إيذاناً باستردادها، كانت الشكوك كثيرة. فمثل هذا الطلب، في ظل غياب قانون للكابيتال كونترول، قد لا يكون ضعيف المفعول فحسب، بل قد يفتقر أيضاً إلى سند قانوني متين، ولا سيما أنه لم يستند إلا إلى تحقيقات أولية في شبهات تتعلق بارتكاب جرائم جزائية. إلا أن مسار الأمور سرعان ما اتخذ منحى مختلفاً، تمثّل في الامتثال للطلب، وتقديم المعلومات، والبدء بإعادة الأموال.

حتى الأمس القريب، كان النائب العام المالي ماهر شعيتو قد استمع إلى إفادات رؤساء وأعضاء مجالس إدارات سبعة مصارف تجارية، بعدما تسلّم من مصرف لبنان كشوفات حسابات تتضمن التحويلات التي أُجريت من حساباتهم بين الأول من تموز 2019 والأول من كانون الثاني 2023. وبحسب المعلومات المتداولة، التزم المصرفيون بإعادة ما يقارب 100 مليون دولار، كانوا قد حوّلوها إلى الخارج من حساباتهم الشخصية أو من حسابات أفراد أسرهم خلال الفترة المذكورة.

وعلى أهمية هذه الإجراءات ووضوحها، لا تزال تحيط بها بعض علامات الاستفهام، ولا سيما في مسألتين أساسيتين.

  • الأولى: طبيعة التحويلات ومصدرها، إذ تفيد المعلومات بأن كشوفات التحويلات الواردة من مصرف لبنان تجمع بين الأموال المحوّلة من حسابات اللولار وتلك المحوّلة من حسابات “الفريش دولار”. وبالنسبة إلى المصارف السبعة التي استمع إلى إفادات مسؤوليها، بلغ مجموع التحويلات قرابة 300 مليون دولار، إلا أن الجزء الأكبر منها، أي نحو الثلثين، جاء من حسابات الفريش دولار، التي أتاح التعميم الأساسي رقم 150، الصادر في نيسان 2020، فتحها. وكان هذا التعميم قد أتاح إيداع الأموال بالدولار النقدي وسحبها وتحويلها بحرية، من دون قيود، مع إلزام المصارف بتوظيف ما يعادل 100% من هذه الأموال لدى المصارف المراسلة، في حسابات حرة من أي التزامات.
  • الثانية: مصير الأموال المستردّة، إذ ستُودع هذه الأموال في حساب خاضع لرقابة النيابة العامة المالية، وسيُمنع أصحابها من سحبها كلياً أو جزئياً، بأي عملة كانت، أو حتى الاستفادة من التعميمين 158 و166، اللذين يتيحان سحب مبالغ شهرية من حسابات اللولار، وفقاً لشروط كل منهما.

لكن السؤال الذي لا يزال بلا جواب هو: هل ستُحتسب هذه الأموال ضمن مجموع الودائع المستحقة للمودعين، وتُوزّع عليهم بعد إقرار قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، أم ستُستخدم في إعادة رسملة المصارف؟

من حيث المبدأ، فإن الأموال التي يودعها أصحاب المصرف أو أعضاء مجلس إدارته في حسابات مصرفية شخصية تُعامل كودائع، ولا تتحول تلقائياً إلى رأس مال رقابي؛ بل قد تظهر في ميزانية المصرف كالتزام عليه. ولا تصبح جزءاً من رأس المال إلا إذا ضُخّت فيه من خلال زيادة رأس المال أو علاوة إصدار الأسهم. وعندها، يمكن أن تدخل ضمن رأس المال الأساسي من الشريحة الأولى (CET1)، شرط استيفاء المتطلبات القانونية والمحاسبية والرقابية.

ومن المتوقع أن تصل المبالغ المستردّة إلى مئات ملايين دولار بعد انتهاء التحقيقات مع جميع المصرفيين. وما قد يدفع هؤلاء إلى عدم معارضة القرار هو تلويح المدعي العام بامتلاكه ورقة ضغط قانونية في حال عدم الامتثال. وإذا كان لا الادعاء العام المالي ولا المصرفيون قد كشفوا عن طبيعة الحجة التي يستند إليها المدعي العام، فإن التحليلات تذهب في اتجاهين.

  • الاتجاه الأول هو اتهام المصرفيين بالتواطؤ ضد مؤسساتهم والإضرار عمداً بأموال المصرف أو المودعين، بما قد يرتّب عليهم مسؤولية جزائية إذا توافرت أركان الجريمة. وفي هذا السياق، يُستشهد بالمادة 253 من قانون التجارة اللبناني، التي تتناول بعض صور إساءة استعمال أموال الشركة أو إمكاناتها الائتمانية لتحقيق مصالح شخصية على حسابها، وتفرض عقوبات قد تشمل الحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات، وغرامة مالية، أو إحدى هاتين العقوبتين، وفقًا لشروط النص.
  • أما الاتجاه الثاني، فيتمثل في التدقيق في مصادر الأموال، بما يفتح الباب أمام تحقيقات معمّقة تشمل التحقق من مصدر الأموال، ومشروعية التحويلات، ومدى ارتباطها المحتمل بتبييض الأموال أو بجرائم فساد مالي. وقد يمتد التحقيق، من الناحية القانونية، إلى الصلاحيات التي يمنحها القانون للنيابة العامة المالية في ملاحقة الجرائم التي تمس المال العام، فضلاً عن الصلاحيات المقررة في قضايا تبييض الأموال، وفقاً للتشريعات اللبنانية ذات الصلة والاتفاقيات الدولية النافذة.

نقطة أخيرة تعترض مسار الإجراءات القضائية تتمثل في بطء المعاملات المصرفية. فقرار الكشف عن التحويلات، الذي أُبلغ إلى مصرف لبنان في نهاية العام الماضي، بعد محاولات المصارف تمييعه، كان يُفترض أن يُنفّذ خلال مهلة شهرين، أي في شباط كحد أقصى. وها هي عشرة أشهر قد انقضت، فيما لا يزال عدد المصارف التي أفصحت عن المعلومات المطلوبة لا يتجاوز سبعة مصارف. وعلى هذا المنوال، قد تستمر العملية لسنوات، وهو ما لا يصبّ في مصلحة الانتظام المالي ولا في مصلحة المودعين.

صحيح أن تأتي متأخراً خير من ألّا تأتي أبدًا، إلا أن السرعة في إنجاز مثل هذه العمليات ليست ترفاً، بل ضرورة قصوى، لإتاحة المجال أمام استكمال المسار القضائي، والحيلولة دون فتح الباب مجدداً أمام التلاعب بالأموال ومحاولات التمييع.