تناول الجزء الختامي من التقرير الاقتصادي للفصل الثالث من العام الحالي الصادر عن بنك عودة ، الحسنات والسلبيات لتطبيق نظام مجلس النقد (Currency Board) في لبنان.
انطلاقاً من المفهوم العام لهذا النظام، فإن من شأن مجلس النقد أن يثبّت وفقاً للقانون سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل عملة ارتكاز — على الأرجح الدولار الأمريكي — مع إلزام السلطة النقدية بتحويل الليرات إلى دولارات عند الطلب، وتغطية القاعدة النقدية بالكامل (أو شبه بالكامل) بأصول أجنبية سائلة.
وخلافاً لنظام الربط التقليدي، من شأنه أن يقيّد بشدة خلق النقد الاستنسابي، وعملية تمويل المصرف المركزي للحكومة، ودعم دور المقرض الأخير (Lender of Last Resort). وبذلك، يسعى هذا النظام إلى استبدال حرية القرار التقديري بالتزام شفاف قائم على قواعد واضحة.
مزايا مجلس النقد
ثمة مزايا محتملة عديدة لاعتماد مجلس النقد في لبنان، وتتمحور حول ما يلي:
- مرتكز اسمي قوي: بعدما فقدت الليرة أكثر من 98% من قيمتها خلال الأزمة، يمكن لربط قانوني ذي مصداقية أن يخفض سريعاً حالة عدم اليقين بشأن سعر الصرف ويساعد في تثبيت توقعات التضخم. وقد ساهم التشدد في ضبط عرض النقد، ووقف تمويل الحكومة، واستقرار سعر الصرف بالفعل في تباطؤ نسبي للتضخم منذ منتصف العام 2023.
- تعزيز مصداقية السياسات والانضباط المالي: من شأن التغطية الكاملة بالاحتياطيات أن تمنع التمويل النقدي للعجز المالي وتحد من العمليات شبه المالية مستقبلاً. وفي لبنان، حيث تضررت الثقة بالمؤسسات النقدية بشدة، يمكن لبساطة القاعدة وقابليتها للتحقق أن تعززا المصداقية.
- الانسجام مع الدولرة الفعلية: تعمل أجزاء واسعة من الاقتصاد النقدي في لبنان، ونظام التسعير، وتدفقات التحويلات، والتجارة الخارجية بالفعل بالدولار الأمريكي. ويمكن لمجلس مرتبط بالدولار أن يضفي طابعاً رسمياً على السلوك السائد مع الإبقاء على عملة محلية للمعاملات الأصغر.
- خفض تكاليف المعاملات وعلاوات المخاطر: يمكن لربط مستدام أن يخفض تكاليف تحويل العملات، ويحسن شفافية الأسعار، ويدعم — إذا اقترن بإصلاحات أوسع — التجارة والاستثمار والتحويلات المالية والوساطة المالية التدريجية.
- تشجيع إعادة الرساميل وإضفاء الطابع الرسمي: من خلال ضمان قابلية التحويل بسعر شفاف وتعزيز الثقة بالعملة، يمكن لمجلس ذي مصداقية أن يشجع تدفقات رأس المال، بما يحسن السيولة ويدعم الاستثمار المنتج.
- الحماية من التدخل السياسي: من شأن مجلس مستقل قانوناً يقوم بنشر نسبة تغطية الاحتياطيات أن يضيّق نطاق التدخلات الاستنسابية ويعزز المساءلة.
غير أن تطبيق نظام مجلس النقد ينطوي أيضاً على بعض السلبيات، ومن أبرزها ما يلي:
- فقدان المرونة النقدية: لن يكون بمقدور لبنان تعديل أسعار الفائدة أو سعر الصرف استجابة للركود المحلي أو الصدمات الخارجية أو التغيرات في القدرة التنافسية. وبدلاً من ذلك، سيجري التكيف عبر الأجور والأسعار والتوظيف والسياسة المالية، ما قد يفرض تكاليف اجتماعية مرتفعة.
- متطلبات احتياطي صارمة: تتطلب المصداقية أصولاً أجنبية كافية وغير مثقلة بالالتزامات لتغطية المطلوبات النقدية المحددة، إضافة إلى هامش سيولة احتياطي. ولا تعادل الاحتياطيات الإجمالية الاحتياطيات الصافية القابلة للاستخدام بحرية، لذا سيكون من الضروري إجراء تدقيق شفاف للأصول والمطلوبات.
- عدم معالجة الخسائر الموروثة: لن يقوم مجلس النقد بحد ذاته بإعادة هيكلة الدين العام، أو توزيع خسائر القطاع المالي، أو إعادة رسملة المصارف القابلة للاستمرار، أو إصلاح المالية العامة، أو إصلاح قطاع الكهرباء والحوكمة. ويجب أن يكون توحيد سعر الصرف جزءاً من خطة تعافٍ شاملة.
- مخاطر اعتماد سعر تحويل غير ملائم: من شأن سعر مبالغ في تقييمه أن يضعف القدرة التنافسية ويستنزف الاحتياطيات، فيما يؤدي سعر أدنى من القيمة الحقيقية إلى تكريس خسائر الثروة ورفع الأسعار المحلية. وقد يفضي اختيار سعر التعادل قبل إعادة هيكلة الميزانيات إلى آثار توزيعية ملحوظة.
- بقاء المصداقية عرضة للمخاطر السياسية: سيفشل المجلس إذا عاود العجز المالي الظهور، أو افتقرت بيانات الاحتياطيات إلى الشفافية، أو أضعفت الاستثناءات القاعدة، أو عدّلت السلطات سعر التعادل لاحقاً.
خلاصة القول:
يمكن لمجلس النقد أن يوفر للبنان آلية قوية لتحقيق الاستقرار وتعزيز المصداقية، ولا سيما في ظل الدولرة الواسعة وعدم اليقين المحيط بالسياسات العامة الاستنسابية. إلا أنه ينبغي النظر إليه بوصفه تتويجاً لبرنامج تعافٍ شامل، لا بديلاً عنه. ولا يكون اعتماده مبرراً إلا بعد:
- توحيد سعر الصرف واختيار سعر صرف مستدام.
- الاعتراف بشفافية بخسائر الدولة والقطاع المالي وتوزيعها.
- إعادة رسملة المصارف القابلة للاستمرار ووضع ضمانات للسيولة.
- إقرار قواعد مالية عامة تحدّ من تمويل المصرف المركزي للحكومة.
- سن أحكام قوية للحوكمة والإفصاح عن الاحتياطيات والمؤونات على اختلافها.
ومع ترسيخ هذه الشروط المسبقة، يمكن لمجلس النقد أن يصبح مرتكَزاً نقدياً دائماً يساعد في استعادة الثقة، وتعزيز الاستقرار، ودعم التعافي الاقتصادي في لبنان على نطاق واسع.
