عود على بدء.. قبول الطعن بـ” إصلاح المصارف ” يهدد بالعودة إلى النقطة صفر

إصلاح المصارف

مرة جديدة، يعود قانون “إصلاح وضع المصارف وإعادة تنظيمها” إلى خانة التشكيك بإمكانية نيله “بركة” صندوق النقد الدولي. فمع إبطال المجلس الدستوري المادة الثالثة المطعون فيها من قبل رئيس الجمهورية، يكون لبنان قد أخلّ بواحد من أكثر المعايير التي شدّد عليها الصندوق، عند طلبه تعديل بعض مواد القانون المقرّ أساساً في 14 آب 2025.

في حزيران الماضي، تسلّمت لجنة المال والموازنة النيابية التعديلات المطلوبة من صندوق النقد على قانون إصلاح المصارف، بصيغة مشروع قانون جديد. وقد تبيّن أن لدى مصرف لبنان ملاحظات على الصيغة الجديدة، لجهة مسّها باستقلاليته، وخصوصاً بـ المادتين 3 و13. فالمادة 3 لا تتضمّن الالتزام بقانون النقد والتسليف عند تطبيق القانون، فيما تتيح المادة 13 للغرفة الثانية في الهيئة المصرفية العليا طلب إصدار التعاميم بموافقة ثلثي أعضائها. وبعد 7 جلسات نقاش في لجنة المال، أُبقي التعديل المطلوب على المادة 3، وحُذف من المادة 13. وأُعيد إقرار التعديلات في 14 آب، ليصدر القانون بصيغته الجديدة تحت الرقم 71 في 17 أيلول الماضي.

إبطال المادة 3

بعد أيام على صدور القانون في الجريدة الرسمية، طعن رئيس الجمهورية بالمادة الثالثة أمام المجلس الدستوري. وقد أصدر المجلس أخيراً قراراً بقبول المراجعة المقدّمة من رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون بالإجماع، وأبطل المادة المطعون فيها. وذلك على اعتبار أن المادة الثالثة لم تنل الأكثرية المطلوبة خلال التصويت في مجلس النواب، بعدما سقط اقتراح تعديلها وفق صيغة لجنة المال والموازنة، من دون أن يُتلى نص بديل أو يُطرح على التصويت، رغم مطالبة عدد من النواب بذلك. وعليه، أعاد المجلس المادة إلى الصيغة الأساسية التي يتضمّنها القانون 23، والتي تنص على أنه: “مع الالتزام بقانون النقد والتسليف، يهدف هذا القانون إلى تعزيز استقرار النظام المالي ومعالجة حالات التعثّر وحماية الودائع في عملية التصفية والإصلاح، والحد من استخدام الأموال العامة في عملية إصلاح أي مصرف متعثّر”.

المزيد من التأخير

الفرق بين تضمين المادة 3 عبارة “مع الالتزام بقانون النقد والتسليف” وحذفها شاسع. فمن شأن الإبقاء عليها إعطاء حاكم مصرف لبنان صلاحية استثنائية واستنسابية لنقض قرارات الغرفة الثانية من الهيئة المصرفية العليا المسؤولة عن تقرير مصير أي مصرف، استناداً إلى المادة 70 من قانون النقد والتسليف. إذ تنيط هذه المادة مهمة المحافظة على سلامة أوضاع النظام المصرفي والاستقرار الاقتصادي بالمصرف المركزي. ما قد يؤثر على استقلالية قرارات الهيئة المصرفية العليا التي شدّد عليها صندوق النقد، بحسب المحامية دينا أبو زور، ولا سيما عند اتخاذ القرار بشأن المصارف المتعثّرة. ولعلّ هذا التطور سيعيد فتح الباب أمام نقاش جديد مع صندوق النقد لتخطّي هذه العقبة مجدداً، من دون أن تستبعد أبو زور طلب الصندوق إعادة القانون إلى مجلس النواب ليتم تعديله من جديد، ما يؤخّر تلقائياً النقاش في قانون الفجوة المالية المزمع بحثه في اللجان المعنية في مجلس النواب.

العلاقة مع صندوق النقد

ربّ قائل إن التعديلات المطلوبة من صندوق النقد تمسّ بـ استقلالية المصرف المركزي، وتفتقد إلى موافقة الأكثرية المطلوبة من أصحاب المصلحة. ولكن، هل صندوق النقد هو من طلب مساعدة لبنان، أم أن الأخير هو من فعل؟ وإن كان لبنان يريد الاستنساب في تطبيق معايير الصندوق التي يعتمدها عالمياً، فلماذا الإصرار، إذاً، على المضي في المباحثات لعقد اتفاق معه؟

هذا من حيث الشكل. أما في المضمون، فإن ما يطلبه صندوق النقد هو منع الاستنسابية والمحاباة في تطبيق قانون إصلاح المصارف، والتوزيع المعتمد عالمياً للخسائر، فيما يخص استرداد الودائع ومحاسبة المخالفين، منعاً لتجدّد الأزمة بعد عدد من السنين. وإن كانت الأغلبية من أصحاب القرار والشأن ترفض هذه المنطلقات لمعالجة الانهيار لمرة واحدة ونهائية، وتمتلك بديلاً عنها يؤمّن الانتظام والاستقرار، فيصبح السؤال عن مشروعية استمرار النقاشات مع صندوق النقد واجباً. وهل تهدف هذه النقاشات إلى التوصل إلى اتفاق حقيقي، أم إلى تضييع الوقت وتمييع الإصلاحات، وصولاً إلى تطبيق القاعدة الأشهر: “عفا الله عما مضى”، ولنفتح صفحة جديدة؟

هذه الأسئلة توجبها عملية “العلك” التي يمارسها المسؤولون في إقرار القوانين. ويكفي النظر إلى القانون موضع البحث، المتعلق بإصلاح المصارف، لمعرفة كم تطلّب من جهد ووقت لإقراره، ثم تعديله، ومن بعدها إدخال المزيد من التعديلات، ثم الإقرار من جديد، ومن بعده الطعن… ولا أحد يعلم بعد ماذا سيكون المصير. وهنا نتحدث عن قانون إطاري للمرحلة المقبلة، فكيف الحال إذاً بقانون إعادة الودائع الإشكالي المعروف بقانون الفجوة؟

المادتان 19 و27

إضافة إلى إبطال التعديلات التي أُدخلت على المادة 3، أبطل المجلس الدستوري من المادة 19 عبارة “إضافةً إلى قرار منعهم من السفر”، الواردة في سياق التدابير التي يمكن اتخاذها بحق كبار المساهمين وأعضاء مجالس الإدارة والإدارة العليا والمفوّضين بالتوقيع ومفوّضي المراقبة في المصارف قيد التصفية.

واستند المجلس إلى أن الحرية الشخصية وحرية التنقل ومغادرة البلاد لا يجوز تقييدها إلا بقرار صادر عن مرجع قضائي مستقل، وفق أصول تضمن حق الدفاع ومبدأ المواجهة. واعتبر أن منح جهات إدارية، بينها الهيئة المصرفية العليا والمصفّي ولجنة التصفية، صلاحية منع السفر لمجرد وجود أسباب جدية للاشتباه، ومن دون تدخل قضائي مسبق، يشكّل مساساً بالحرية الشخصية وتعدّياً على صلاحيات السلطة القضائية، ومخالفة لمبدأ الفصل بين السلطات والضمانات التي يكفلها الدستور.

كذلك، أبطل المجلس من المادة 27 عبارة “وهم في هذه الحالة محميّون من أي إجراء قضائي أو دعوى تُرفع ضدهم”، المتعلقة بموظفي المصرف الذين يلتزمون بقرارات الهيئة المصرفية العليا. ورأى أن هذه العبارة تثير التباساً بشأن طبيعة الحماية الممنوحة للموظفين، وما إذا كانت تحرم المتضرّرين من حق اللجوء إلى القضاء، وهو حقّ من الضمانات الأساسية التي تكفلها المادة 20 من الدستور. وأشار إلى أن الفقرة المعنية تعفي الموظفين أصلاً من المسؤولية عند تقيّدهم بقرارات الهيئة، ما لا يبرّر النص على حمايتهم من أي إجراء قضائي أو دعوى.

في المحصّلة، فإن صندوق النقد الدولي سيراجع التعديلات على قانون إصلاح المصارف ويبني على الشيء مقتضاه، بحسب المعلومات، وسط توقّعات بأن يشكّل هذا التعديل مشكلة في العلاقة معه. ذلك أن مخاوفه الأساسية تتعلق باستقلالية الجهات التي تنظر في أوضاع المصارف، ومنع الاستنسابية.