موسماً بعد آخر، يدخل مزارعو التبغ حيازاتهم الموروثة أبًا عن جد أو المستأجرة، وهم يجهلون ما إذا كانوا سيخرجون منها سالمين بعوائد تعوّض أكلاف الإنتاج، أم خاسرين ما تبقّى من مقوّمات الصمود. فالحرب الإسرائيلية التي استفحلت في جنوب لبنان هذا العام لم تكن مجرّد مواجهة عسكرية خلّفت الدمار والتهجير، بل تحوّلت أيضاً إلى ضربة قاسية للقطاع الزراعي، ولا سيّما زراعة التبغ، التي تشكّل مصدر رزق أساسياً لنحو 17 ألف أسرة جنوبية.
في عدد من قرى شمال الليطاني، أدّى الاحتلال الإسرائيلي والقصف المتواصل إلى حرمان المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، بعدما اضطروا إلى ترك قراهم ومنازلهم، في وقت كانوا يستعدون فيه لبدء موسم زراعة التبغ. ومع اقتراب موعد زراعة الشتول في أواخر نيسان، وجد كثيرون أنفسهم أمام خيار قاس: إما مغادرة الأرض وترك الموسم يضيع، وإما البقاء فيها تحت تهديد القصف والغارات.
المعاناة لم تقتصر على قرى شمال الليطاني، بل طالت أيضاً قرى ومناطق أخرى تشتهر بزراعة التبغ، حيث أدّى التهجير إلى تعطيل النشاط الزراعي وترك الأراضي من دون زراعة. وفي المقابل، تمكّن بعض المزارعين في قرى جنوب الليطاني، ومنها رميش، من متابعة الموسم، ولكن في ظروف صعبة فرضتها الحرب ومخاطرها المستمرة.
خسائر تتجاوز المحصول
يؤكد المزارعون أن خسارتهم لا تقتصر على كمية التبغ التي لم يتمكنوا من إنتاجها، بل تشمل أيضاً الأموال التي أنفقوها على حراثة الأراضي وتجهيزها وشراء البذور والمواد الزراعية والكيميائية، إضافة إلى كلفة العمل والتحضيرات التي تسبق الزراعة. ويشرح أحد المزارعين أن لديه مستلزمات زراعية ومواد كيميائية مخزّنة كان قد أعدّها للموسم، لكنه خسرها بعدما اضطر إلى مغادرة المنطقة، ولم يتمكن من استعادتها أو الاستفادة منها. وهكذا، لم يخسر المزارع موسمه فحسب، بل خسر أيضاً جزءاً من رأس المال الذي كان يفترض أن يساعده على تأمين معيشة عائلته طوال العام. وتزداد قسوة هذه الخسائر لأن زراعة التبغ ليست عملاً موسمياً عابراً بالنسبة إلى كثير من العائلات الجنوبية، بل هي مورد معيشي يعتمدون عليه في تلبية احتياجاتهم الأساسية، في ظل محدودية البدائل الاقتصادية المتاحة في القرى.
تعويضات ومطالب بإعادة النظر
في مواجهة هذه الخسائر، تلقّى بعض المزارعين مساعدات مالية استثنائية، من بينها مبلغ قدره 300 دولار للمزارع الذي يحمل رخصة لزراعة أربعة دونمات، بحسب الشهادة التي نقلها أحد المزارعين. وتعطى هذه الرخصة من قبل إدارة حصر التبغ والتنباك “الريجي”، وتتيح لكل مزارع زراعة لغاية 4 دونم (4000 متر مربع)، بسقف استلام حده الأقصى 100 كيلو عن الدنم الواحد.
لكن هذه المساعدة، وفقاً للمزارعين، لا تعوّض حجم الأضرار التي لحقت بهم، ولا تغطي النفقات التي تكبّدوها قبل أن تفرض الحرب عليهم ترك أراضيهم. ومن هنا، برزت مطالب بأن تُعامل هذه المبالغ بوصفها مساعدات استثنائية مرتبطة بظروف الحرب والتهجير، لا أن تُحسم من مستحقات المزارعين في الموسم المقبل.
وفي ما يتعلق بالتعويض عن محصول التبغ، يشير المزارع إلى إعطاء الريجي” مبلغاً وقدره دولاران ونصف الدولار عن كل كيلوغرام، ضمن آلية التعويض التي يتحدث عنها المزارعون. ويوضح، على سبيل المثال، أن رخصة زراعة أربعة دونمات يُفترض أن تنتج نحو 400 كيلوغرام، بمعدل 100 كيلوغرام للدونم الواحد، فيما تتحدد المستحقات الفعلية وفق الكميات المسجّلة والمعتمدة لكل مزارع.
غير أن التعويض عن المحصول، حتى لو جرى صرفه، لا يعالج وحده الخسائر الأخرى التي تكبّدها المزارعون، من تجهيزات ومواد زراعية ونفقات عمل، فضلاً عن الأضرار التي لحقت بالمنازل والمستودعات والممتلكات.
لذلك، يطالب المزارعون بتوضيح آلية التعويضات ومعايير احتسابها، وباعتماد مقاربة تأخذ في الاعتبار طبيعة الخسائر التي فرضتها الحرب، بدلاً من حصر المسألة في كمية الإنتاج وحدها.
موسم 2027: العودة أولاً
مع انتهاء الموسم الماضي، تتجه أنظار المزارعين إلى عام 2027، وسط تساؤلات بشأن إمكان العودة إلى القرى والأراضي الزراعية في الوقت المناسب. فاستئناف زراعة التبغ يحتاج إلى تحضيرات مبكرة، تبدأ بزراعة البذور في المشاتل، ثم تجهيز الأراضي ونقل الشتول إلى الحقول. وهذه الخطوات تتطلب وقتاً وإمكانات مادية، فضلاً عن توافر ظروف أمنية تسمح للمزارعين بالعمل من دون خوف على حياتهم وممتلكاتهم.
ويقول المزارعون إن انسحاب قوات الاحتلال وإتاحة العودة الآمنة إلى القرى خلال فترة قريبة قد يمنحانهم فرصة لاستعادة النشاط الزراعي والاستعداد للموسم المقبل. أما إذا استمر الاحتلال وتعذّر الوصول إلى الأراضي، فسيكون من الصعب استئناف الزراعة، وقد يجد المزارعون أنفسهم أمام موسم جديد من الخسائر. ولا يقتصر القلق على إمكان العودة فحسب، بل يشمل أيضاً القدرة على تأمين البذور والمواد الزراعية والتمويل اللازم، بعد استنزاف الموارد المالية نتيجة خسارة الموسم السابق.
الأرض مصدر رزق لا يمكن تعويضه بالمال وحده
تختصر معاناة مزارعي التبغ في جنوب لبنان أزمة أوسع يعيشها القطاع الزراعي في المناطق الحدودية، حيث يتداخل التهجير والاحتلال والدمار مع فقدان مصادر الدخل وتراجع القدرة على الإنتاج. فالمزارع الذي أُجبر على ترك أرضه لا يحتاج إلى تعويض مالي فحسب، بل إلى ضمان حقه في العودة إليها، وإلى دعم يمكّنه من إعادة تجهيزها وزراعتها واستعادة مصدر رزقه.
بين خسائر الموسم الماضي والغموض الذي يلفّ موسم 2027، يبقى مستقبل زراعة التبغ مرتبطاً بعودة المزارعين إلى قراهم، وتوافر شروط العمل الآمن، ووجود خطة واضحة لتعويض المتضررين ومساندتهم في استئناف الإنتاج.
فهل يتمكن مزارعو التبغ من العودة إلى أراضيهم وزراعتها في عام 2027، أم أن استمرار الاحتلال والتهجير سيحرمهم موسماً آخر من مصدر عيشهم؟
