زيادة إنتاج الكهرباء لا تكفي لإخراج لبنان من العتمة.. خصخصة التوزيع أولاً

الكهرباء

 مشكلة الكهرباء في لبنان لا تنحصر فقط في ضعف القدرة الإنتاجية، بل تشمل أيضاً النقل والتوزيع. الانطلاق من هذه المقاربة يجعل من العرض القطري القائم على إنشاء محطات إنتاج عرضاً قيّماً، إنّما غير كافٍ. فما نفع المعامل، إن شُيّدت وفق أعلى المواصفات والتزمت بأدقّ معايير التعاقد، إذا لم يتوفّر الوقود اللازم لتشغيلها؟ وبالتالي، ما الذي سيميزها عن المعامل القائمة أساساً، والتي يمكن أن تنتج ما يصل إلى 10 ساعات من الكهرباء يومياً، فيما هي معطّلة بسبب العجز عن شراء الفيول؟

قبل البدء بـ تشييد المعامل لزيادة القدرة الإنتاجية، يقتضي المنطق تفعيل الجباية لتأمين ثمن الفيول اللازم لتشغيل المعامل القائمة. ولا يتحقق ذلك إلا من خلال خطوتين منفصلتين ومتكاملتين، هما:

  • تخفيض نسبة الهدر الفني وغير الفني، التي تتجاوز، وفقاً لأفضل التقديرات، 50%.
  • معالجة مشكلة التوزيع.

فشل التوزيع

الآليتان اللتان اعتُمدتا تاريخياً في لبنان قامتا، أولاً، على توزيع الكهرباء مباشرةً من قبل مؤسسة كهرباء لبنان، التي تحتكر مهمات النقل والإنتاج والتوزيع، وثانياً، على الاستعانة بشركات مقدّمي الخدمات، التي كُلّفت بالجباية لصالح المؤسسة، وإصلاح الأعطال، وتركيب العدادات الذكية، مقابل تقاضي مستحقاتها من المؤسسة.

وقد أثبتت التجربتان فشلاً ذريعاً، بدليل ارتفاع نسبة الهدر، وتأخّر تحصيل الفواتير لأكثر من عامين في كثير من الأحيان، وضعف الجباية، وتراجع المردود حتى بعد رفع التعرفة. ولعلّ المفارقة الأبرز تمثّلت في تحقيق هذه الشركات الأرباح، في مقابل استمرار خسائر مؤسسة كهرباء لبنان.

خصخصة التوزيع

البديل عن هذه الآلية غير السليمة يتمثل في “تخصيص التوزيع”، وفقاً لما يقوله رئيس المعهد اللبناني لدراسات السوق، الدكتور باتريك مارديني. فامتلاك الشبكة يحفّز الشركات على صيانتها والمحافظة عليها وتطويرها.

من جهة أخرى، والأهم، تلتزم شركات التوزيع بشراء قدرات كهربائية، تُحدَّد بعدد من الميغاواط، من “الشاري الوحيد للطاقة بالجملة” (SB – Single Buyer)، الذي سيحلّ، بحسب القانون رقم 462، محلّ مؤسسة كهرباء لبنان في هذا المجال. وتدفع هذه الشركات ثمن الكهرباء مسبقاً، ثم تبيعها للمستهلكين. وهذا يعني أن عدم تحصيل الفواتير ضمن المهل المحدّدة سيعرّضها لعجز مالي كبير، خلافاً للآلية القديمة، التي يقع فيها عبء العجز على عاتق مؤسسة كهرباء لبنان.

إصلاح التوزيع قبل زيادة الإنتاج

في هذه الحالة، فإن أي خسارة ناتجة عن الفارق بين ما تدفعه شركة التوزيع الخاصة لشراء الكهرباء بالجملة وما تحصّله من بيعها بالمفرّق، ستتحمّلها الشركة من أموالها الخاصة، يضيف مارديني. فإذا كانت الخسارة ناجمة عن أعطال تقنية، عمدت الشركة إلى إصلاحها للحدّ من الخسائر. أمّا إذا كانت ناجمة عن عدم تسديد الفواتير، فيمكنها قطع الاشتراك إلى حين تسديد المستحقات، وفقاً لما يقتضيه المنطق، من دون انتظار قرار سياسي أو مؤازرة أمنية أو رفع الغطاء عن المشتركين، كما يحصل حالياً مع مؤسسة كهرباء لبنان. وفي كلتا الحالتين، تتأمّن الموارد المالية اللازمة لشراء الوقود وتشغيل المعامل. ويشدّد مارديني على ضرورة أن تترافق عملية الانتقال إلى هذا النظام مع تنفيذ العرض القطري، لا أن تأتي لاحقةً له؛ وإلا، فسنكون بصدد زيادة القدرة الإنتاجية من دون امتلاك القدرة المالية اللازمة لتشغيل المعامل.

ما دامت عربة الإنتاج تتقدّم على حصان تحسين الجباية والحدّ من الهدر، ستبقى أزمة الكهرباء تراوح مكانها. فبناء معامل جديدة، مهما بلغت قدرتها الإنتاجية، لا يكفي إذا لم تتوافر الأموال اللازمة لتشغيلها. ومن دون إصلاح نظام التوزيع، وضبط الهدر، وضمان تحصيل الفواتير، ستبقى الوعود بزيادة ساعات التغذية مجرّد آمال معلّقة، وسيبقى لبنان غارقاً في العتمة، مهما تعدّدت العروض والمشاريع. فالمطلوب ليس إنتاج المزيد من الكهرباء فحسب، بل القدرة على تشغيل المعامل وتأمين وصول الكهرباء إلى الناس.