نقلت إيران وأذرعتها العسكرية المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل من الجو المفتوح إلى طاولة الـ بوكر (POKER) المالية. فمع فشل الترسانة الصاروخية الهجومية والدفاعية في فرض معادلة الردع العسكرية مع الطائرات والبوارج الأميركية، بدأت إيران بلعب أوراقها الاقتصادية.
سحبت إيران ورقة مضيق هرمز أولًا، ظنًّا منها أنها كفيلة بإثارة نقمة عالمية من ارتفاع أسعار النفط وترجيح كفتها. لكنها لم تنتبه إلى أن الولايات المتحدة تملك أوراقًا أخرى مخفية على الطاولة. فمقابل “فلاش” هرمز، فتحت الولايات المتحدة “فول هاوس” مؤلفًا من ثلاثة أوراق: السحب من الاحتياطيات النفطية، رفع الحظر عن النفط الروسي، ومرافقة الناقلات عسكريًا، إضافة إلى زوج من الأوراق يتمثل في إمكانية السيطرة على هرمز عسكريًا وتدمير سفن الألغام الإيرانية.
تهديد المصالح المالية
في لعبة الرهانات الطويلة، لمّحت إيران إلى امتلاكها ورقة ضغط ثانية من دون وضعها على الطاولة، فأشارت بحركة خاطفة إلى أن المؤسسات المالية المرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة قد تصبح أهدافًا، في ظل دراسة طهران لتنويع هجماتها. رمت الطعم وانصرفت تحاول استفراس تعابير وجه الاقتصاد العالمي عمومًا والخليجي خصوصًا، من دون أن تحدد طبيعة الهجمات أو نطاقها الجغرافي أو الزمني.
إجراءات احترازية
وعلى الفور، أغلق بنك “إتش إس بي سي” جميع فروعه في قطر حتى إشعار آخر، بينما طلب “سيتي غروب” (Citigroup) من موظفيه في دبي الابتعاد عن مكاتبهم. كما أصدر “غولدمان ساكس” تعليمات للموظفين بضرورة الحصول على إذن قبل التوجه إلى مكاتبه في أنحاء الشرق الأوسط. وفي الوقت نفسه، طلب بنك “ستاندرد تشارترد” من الموظفين في مركز دبي المالي العالمي والمناطق القريبة مغادرة مكاتبهم.
تداعيات محتملة
الهجمات التي قد تشنها إيران على المصالح المالية والاقتصادية المرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل قد لا تكون بالضرورة عسكرية، عبر استهدافها بالصواريخ أو الطائرات المسيرة بشكل مباشر، بل سيبرانية في الغالب. وهذا النوع من الهجمات عادة ما يكون أكثر خطورة وأشد فتكا، إذ تمثل البنوك العالمية وشركات التمويل الدولية العمود الفقري للنظام المالي العالمي. وتعرض هذه المؤسسات للمخاطر الأمنية يؤدي إلى تشديد إجراءات الامتثال، وتعقيد المعاملات، وإبطائها، ورفع كلفة التحويلات المالية. أما من الناحية المعنوية، فيثير هذا خشية العملاء من تعرض حساباتهم للقرصنة أو السرقة أو حتى الفضح، ما قد يدفعهم إلى إغلاق حساباتهم أو نقلها.
عدا عن المشاكل اللوجستية المصاحبة، فإن هذه العمليات مكلفة جدًا وقد تدفع العديد من المستثمرين إلى إعادة النظر في استثماراتهم ونقلها إلى خارج مناطق الصراع، إلى حيث تكون أكثر أمانًا. ومن الناحية التجارية، فإن تهديد المصالح المالية وإغلاق المؤسسات جزئيًا أو كليًا، واتخاذ التدابير الاحترازية، يؤثر سلبًا على فتح خطابات الاعتماد، ويؤخر الشحنات في وقت يزداد فيه الطلب على السلع، ولا سيما الغذائية، ويرفع أسعارها، ما يفاقم التضخم. وقد تدفع هذه التهديدات بعض البنوك إلى خفض تعاملاتها مع بنوك المنطقة، وهو ما ينعكس سلبًا على كامل القطاع المصرفي.
المخاطر السيبرانية
الهجمات السيبرانية لا تقل خطورة عن الهجمات العسكرية التقليدية، مع فارق جوهري يتمثل في أن معظم الدول الخليجية والمؤسسات العاملة فيها تمتلك جدران حماية متطورة (Firewalls) وأنظمة أمان سيبراني عالية المستوى، بحسب رئيس مجلس التنفيذيين اللبنانيين، ربيع الأمين. لكن المعيار الأساسي في تقييم الخطر يبقى حجم الاعتداء السيبراني وقدرة أنظمة الأمان على صدّه. وبغض النظر عن مستوى الحماية، فإن “التأثير المحتمل لهذه الهجمات يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمدة النزاع”، بحسب الأمين، فكلما طال الزمن، ارتفعت المخاطر العسكرية والسيبرانية على حد سواء، وأثرت سلبًا على القدرات التشغيلية، الاقتصاد الوطني، والمعنويات العامة.”
وتتضاعف خطورة الهجمات السيبرانية مع تحول دول الخليج مؤخرًا إلى الرقمنة الكاملة، حيث أصبحت جميع جوانب الحياة اليومية تقريبًا تعتمد على الأنظمة الرقمية، بدءًا من تأمين طلبيات الطعام واستئجار السيارات، مرورًا بدفع الفواتير والمخالفات، وإتمام المعاملات المالية والمصرفية، وصولًا إلى إنجاز المعاملات الحكومية والإجراءات الضريبية. وعليه، فإن أي هجوم سيبراني لن يكون مجرد تهديد تقني، بل سيترتب عليه تداعيات واسعة النطاق تمس ملايين المواطنين وآلاف المؤسسات، وقد يؤدي إلى شل العمل، تعطيل الخدمات، إرباك الاقتصاد، وزعزعة الثقة في المؤسسات العامة والخاصة.
الضغط الاقتصادي الإيراني
ردة الفعل الإيرانية في الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل تقوم على الضغط الاقتصادي على الأقربون والأبعدون لحماية مصالحها ومنع تقديم أي تنازلات مهما بلغ حجم الأضرار. فقد هددت المصالح العربية عمومًا، ودول الخليج خصوصًا، وتسببت بأضرار جسيمة في اقتصاداتها، لم تقتصر على إغلاق مضيق هرمز وقطع شريان النفط الرئيسي في العالم، بل شملت أيضًا تراجع السياحة، وانخفاض الاستثمارات المباشرة، وتعطيل المرافئ البرية والبحرية، وتركت تأثيرات سلبية على القطاع المصرفي.
مع ارتفاع منسوب التوتر ولعب الولايات المتحدة وحلفائها أوراقًا لم تعتقد إيران أنهما تملكانها، ستزداد شراسة المواجهة. ومن غير المستبعد أن تلعب إيران ورقة الهجوم على المصالح المالية والمصارف الأجنبية في دول الخليج على طاولة البوكر، بما قد يترتب عليه تداعيات بالغة الخطورة على الاقتصاد العربي والعالمي.
