يُعدّ مضيق هرمز من أكثر الممرات المائية حساسيةً على مستوى العالم، إذ يمرّ عبره نحو عشرين مليون برميل نفط يومياً من إجمالي النفط المتداول بحرياً، ما يمثّل ما بين عشرين وخمسة وعشرين بالمئة من حجم التجارة النفطية البحرية العالمية. ولا يقتصر الأمر على النفط، بل يشمل أيضاً الغاز الطبيعي الذي يعبر هذا المضيق بكميات ضخمة، مما يجعل أي اضطراب فيه يؤثر مباشرةً على أسعار الطاقة في مختلف أنحاء العالم.
تتجاوز تداعيات الحرب الجارية في المنطقة حدود الأطراف المتحاربة، لتطال دولاً لا علاقة لها بهذا الصراع أصلاً. فالتوترات المتصاعدة تُلقي بظلالها على الاقتصاد العالمي في وقت لا يزال فيه كوكب الأرض يتعافى من أزمات متتالية، فيما تعاني دول عديدة في المنطقة من مشكلات اقتصادية خانقة، في مقدمتها لبنان الذي يمرّ بأزمة استثنائية.
تبرز الحاجة الماسة إلى تحييد هذا الممر الحيوي وضمان سلامة الملاحة فيه، لا لمصلحة طرف دون آخر، بل لمصلحة البشرية جمعاء. فالتجارة الدولية اليوم باتت تربط جميع دول العالم بعضها ببعض، إذ لا يمكن لأي اقتصاد أن يعمل بمعزل عن محيطه. ويتجلى ذلك في أن صناعة منتج بسيط كالقلم تستلزم تعاون ست دول أو سبع، من مصانع المواد الأولية إلى سلاسل التوريد والشحن والخبرات التقنية.
يُشكّل ميناء بيروت وغيره من المرافئ على شرق البحر المتوسط عناصر أساسية في منظومة التجارة الإقليمية والدولية. وأي استهداف لهذه البنى التحتية لا تنتهي تداعياته بانفجار هنا أو ضربة هناك، بل تتراكم خسائره لتمسّ أرزاق ملايين البشر من جنسيات شتى تعتمد في معيشتها على هذه المراكز الاقتصادية.
يُجمع المحللون الاقتصاديون على أن النمو لا يتحقق في ظل الحرب، وأن الازدهار لا يُبنى إلا في أحضان السلم والاستقرار. فالمواطن لا يستطيع التخطيط لمستقبله وتحقيق أهدافه حين يكون همّه الأول هو النجاة باليوم أو الأسبوع أو الشهر. وتبقى الحرب عائقاً أمام أي مسار تنموي مستدام، سواء في لبنان أو في سائر دول المنطقة.
يستدعي الوضع الراهن من المجتمع الدولي اتخاذ موقف حازم وواضح يرتكز على أسس مستدامة، لا على منطق الحقد والقمع الذي يُفضي إلى هدنات مؤقتة تُعقبها حروب جديدة. فوقف النزاع لأشهر ثم العودة إليه بعد سنة أو سنتين لا يُعالج جذور المشكلة ولا يُحقق الاستقرار المنشود لشعوب المنطقة.
يُطالب المحللون الاقتصاديون بأن تسعى الدول، من أوروبا إلى العالم العربي وما بينهما، إلى تحييد نفسها عن التبعية لهذا المضيق على الأقل في المرحلة الراهنة، مع العمل في الوقت ذاته على إيجاد حلٍّ جذري وشامل يضع حداً للنزاع بصورة مستدامة. فدول الخليج، التي تحتضن ملايين العمال من مختلف الجنسيات وتمثل مراكز اقتصادية عالمية بالغة الأهمية، لا تستحق أن تكون ساحةً لصراعات تدفع ثمنها شعوب بريئة لا ناقة لها في هذه النزاعات ولا جمل.