لبنان “يساير” صندوق النقد بانتظار انتهاء الحرب

صندوق النقد

شتّان بين شباط 2026 وآذار من العام نفسه. أقل من شهر فصل بين الاستعدادات اللبنانية لإتمام اتفاق، ولو مبدئي، مع صندوق النقد الدولي، وبين العودة إلى نقطة اللايقين.

الحرب التي أُدخل فيها لبنان مجدداً في الثاني من آذار أعادت خلط الأوراق، فسحبت من جهة ورقة الشعبوية في الدفاع عن حقوق المودعين من يد النواب، بعدما فرضت تمديد ولاية البرلمان سنتين، بما يسهل إقرار قانون الفجوة المالية. لكنها، من جهة أخرى، فتحت كل أوراق تراجع الناتج، والعجز التوأم في الميزانية وميزان المدفوعات، وتراجع التحويلات، وعودة التضخم إلى الارتفاع، وتحقيق انكماش اقتصادي بدلا من النمو.

لقاء باريس

الحكومة اللبنانية، التي تعهّدت أمام وفد الصندوق في شباط الماضي الالتزام بخطة إصلاح مالي واقتصادي، أعادت مراجعة حساباتها. وبدلاً من حمل الإنجازات إلى اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين في نيسان المقبل، نقلت الهواجس إلى الاجتماع العارض الذي عقد مع الصندوق في باريس، في ظل تصاعد وتيرة الحرب محلياً. وتركّز البحث في الاجتماع، الذي حضره وزيرا المالية والاقتصاد عامر البساط وياسين جابر وحاكم مصرف لبنان كريم سعيد، على التدابير الاحترازية التي يجب اعتمادها خلال فترات عدم الاستقرار الاقتصادي والجيوسياسي، وذلك بهدف الحفاظ على الاستقرار النقدي وتعزيز صلابة النظام المالي.

التحديات المستجدة

التداعيات الاقتصادية والنقدية والمالية للحرب ستكون كارثية، وخصوصاً إن طالت. وبحسب أحسن التوقعات، فإن الناتج المحلي الإجمالي سينخفض بنسبة 4 في المئة شهرياً، ومن الممكن أن تصل خسارته إلى 16 مليار دولار فيما لو استمرت الحرب طيلة هذا العام.

أما على الصعيد المالي، فإن التحدي الأبرز يكمن في تراجع الإيرادات العامة نتيجة تمديد المهل، وإعطاء فترات سماح إضافية لتسديد الرسوم والغرامات، وإقفال المؤسسات وتراجع الإنتاج. وما سيزيد “طين التحديات المالية بلة” هو زيادة النفقات لتأمين متطلبات الحرب، ولا سيما مرحلياً فيما يتعلق بالنزوح وإصلاح الأعطال الطارئة في البنى التحتية، وتحمل الزيادة في تكاليف الطاقة. وتضاف هذه النفقات إلى سلة هائلة من الرواتب والأجور، التي بلغت بحسب تصريح سابق لوزير المالية 300 مليون دولار شهرياً، أي ما يعادل 3 مليارات و600 مليون دولار سنوياً.

وعلى الجانب النقدي، فقد سجل منذ بدء الحرب زيادة لافتة على العملة الأجنبية. وسواء كانت هذه الزيادة لتمويل المشتريات والتخزين أو لانعدام الثقة، فهي تشكل ضغطاً على سعر الصرف. وإن كان الوضع النقدي ما زال تحت السيطرة نتيجة التوازن الدقيق الراسخ منذ مدة في سوق القطع، إلا أن إطالة فترة الحرب وتراجع التدفقات الداخلية قد تهز هذا التوازن، وتصحي المضاربين، ما سيؤدي إلى اختلالات كبيرة.

القدرة على الإيفاء بالإلتزامات

في ظل كل هذه المتغيرات، فإن السؤال عن قدرة لبنان على الإيفاء بمتطلباته لاستئناف المفاوضات مع صندوق النقد، تمهيداً لعقد اتفاق، يُقابل بأنه “لكل مقام مقال”، بحسب منسق سياسات الشركة مع القطاع العام في المعهد اللبناني لدراسات السوق – LIMS، غسان بيضون. فـ”نصائح صندوق النقد ومطالبه ليست جامدة أو عصية عن التعديل”. ومن الضروري، برأيه، تعديل المتطلبات تبعاً للمتغيرات والظروف التي يمر بها لبنان. وذكّر بيضون بأن ما نمر به حالياً يشبه ما مر به لبنان في العام 2007 عقب حرب 2006، حيث كان هناك برامج في باريس لإعادة الإعمار وتنشيط الاقتصاد، وحصل لبنان على مساعدات وازنة من الخارج.

ومن المفروض، بحسب بيضون، ألا يكون الضغط مركزاً على الموازنة العامة، لأن إمكانياتها محدودة، وإن كان فيها بعض الاحتياطيات، إلا أنها لا تُقارن بحجم الأزمة والتحديات.

تحدي الدين العام

خلافاً للكثير من الآراء، يضع المدير السابق في صندوق النقد الدولي، ورئيس الجمعية الاقتصادية اللبنانية، الدكتور منير راشد، اللقاءات اللبنانية مع صندوق النقد في إطار التشاور (المسايرة، باللغة العامية)، وليس بهدف التوصل إلى اتفاق قرض بقيمة 3 مليارات دولار.

 

أصلاً، هذا الاتفاق مستحيل طالما أن نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تبلغ 500 في المئة. فمقابل ناتج يحتسبه الصندوق بـ30 مليار دولار، هناك فجوة مصرفية بقيمة 83 مليار دولار، وسندات حكومية بالعملة الأجنبية (يوروبوندز) بأكثر من 45 مليار دولار. وإذا ما أُضيفت بقية القروض للبنك الدولي والعراق وغيرها، يتجاوز الدين العام 130 مليار دولار. ويشكل هذا الدين نحو 340% من الناتج، فيما الحد الأقصى يجب ألا يتجاوز 90%.

و”ما لم تُخفَّض نسبة الدين إلى المستويات المطلوبة، لن يتم التوصل إلى اتفاق مع الصندوق”، من وجهة نظر راشد. وهذا التخفيض يتطلب حلاً من اثنين: إما شطب الودائع، وإما شطب الديون، وكلاهما دونه صعوبات. فاليوروبوندز محمولة بنسبة تتجاوز 65% من صناديق عالمية تُسمّى بـ”النسور”، وتخضع للتحكيم في محاكم نيويورك، وبالتالي يستحيل شطبها. في المقابل، تتجه الخطط الداخلية إلى معالجة موضوع الودائع بكثير من الضبابية، إذ تنص على إعادتها بالشكل وتمييع الحل في المضمون، فلا تقول بشطبها ولا بإعادتها كاملة. ومن الممكن، بحسب راشد، ووفقاً للقانون الأخير، إذا تم شطب ثلث الودائع غير المؤهلة، وإعادة جزء بسيط منها لحد 100 ألف دولار، وتقسيط الباقي على سنوات طويلة، أن يصبح لبنان مؤهلاً، إنما بكلفة عالية نتيجة حرمان المواطنين والاقتصاد من أموالهم، وإضعاف الثقة بالاقتصاد والنظام المصرفي لفترات طويلة.

تراجع الإيرادات وزيادة النفقات

إذا تجاوزنا الطريقة العامة التي يعمل على أساسها صندوق النقد الدولي، فإن تداعيات الحرب تزيد الأمور تعقيداً. فلدخول الصندوق في اتفاق مدته ثلاث سنوات، يطلب من الدولة وضع برنامج واضح لـ”التوقعات المالية على المدى المتوسط” (Medium-Term Fiscal Outlook). ويُعنى هذا البرنامج بـ:

  • تقدير القدرة المالية للدولة على تغطية النفقات والالتزامات.
  • تحديد الاتجاهات المستقبلية للعجز أو الفائض في الميزانية.
  • تخطيط السياسات الاقتصادية بما يوازن بين الإنفاق والاستدانة والإيرادات.

وهذه الشروط، على بساطتها، لا يمكن للبنان تلبيتها، لأنه “لا توجد أرقام واضحة ومتفق عليها”، بحسب راشد. هذا في وقت السلم، أما في الحرب فإن الضياع يزداد تعمقاً، فهناك محافظات وأقضية خرجت من الخدمة بشكل كلي، وتعطلت كل أشكال الحياة والإنتاج فيها. ويتوافد أكثر من مليون نازح إلى بقية المناطق من دون أي قدرات فعلية لديهم، أو حتى لدى المجتمعات المضيفة. ونسبة التضخم التي انخفضت إلى 15 في المئة نهاية 2025 مرشحة للتضاعف، نظراً لارتفاع أسعار النفط عالمياً. وهي ستنعكس على ميزانية الدولة ونفقاتها، ليس فقط لكونها تستهلك النفط في مؤسساتها الاحتكارية من كهرباء واتصالات ومياه وخلافه، وتهدره في إدارتها المترهلة، بل أيضاً لأنها تسدد لموظفيها صفائح بنزين بدل نقل، تتراوح بين 14 و20 صفيحة شهرياً لكل موظف.

ومع زيادة النفقات، ستتراجع الإيرادات حتماً نتيجة عجز المواطنين المشردين والمؤسسات المتعطلة عن تسديد الضرائب. وعليه، فإن هذه الظروف هي “الوصفة المثالية للانكماش”، من وجهة نظر راشد. ومما يزيد من مخاطره ترافقه مع ارتفاع الأسعار، ما يدفع باتجاه الانكماش التضخمي، وهو واحد من أكثر الحالات سوءاً في الاقتصادات.

في ظل هذه الظروف سيكون لبنان عاجزا عن تقديم توقعات رسمية حول الإيرادات والنفقات، والعجز والدين العام. وكلما طالت الحرب كلما زادت التحديات وتعمق الصعوبات، وأصبح الاتفاق مع الصندوق أبعد.