احتكار الدخان يوازي الحرب في إنهاك المزارعين

الدخان

بين آذار وأيلول من كل عام، كانت رياح الجنوب تحمل رائحةً من نوعٍ آخر. يختلط في هبوبها الدافئ عبقُ شتول الدخان بعرق الفلاحين وشذى التراب الندي. والعبير الأخير، الذي لم يبخل عليه قدماء اليونانيين بوصفه «دم الآلهة»، عاد هذا العام ليصل زنخًا مشبعًا بضحايا الحرب وتلف المواسم، وتحول لون جنوب لبنان من الأخضر إلى الرمادي المائل إلى السواد.

زراعة الدخان لا تُقارن بمواسم الحمضيات والموز التي تستوطن جنوب لبنان، من حيث المساحات المزروعة والكميات المنتجة والمردود المالي، إذ لا تتجاوز مساهمتها في الناتج المحلي الزراعي 2% في أحسن الأحوال. ومع ذلك، لطالما ظلّ وجودها يرمز إلى التشبث بالأرض وأصالة الماضي. ولا تغيب عن بال اللبنانيين عامة، والجنوبيين خاصة، نفحةُ الحنين إلى ما تحتضنه الأوراق العريضة، المتراصفة على الحبال والمنشورة في الشمس، من حكاياتٍ وحكايات عن نضال أجيال عملت على تحسين ظروفها المعيشية، وحرصت على الإبقاء على الغطاء الأخضر رغم كل الصعوبات والتحديات.

تراجع الإنتاج

الجنوبيون الذين أغمضوا جفونهم مطلع آذار على نية البدء بزراعة شتول الدخان، استيقظوا على التهجير جرّاء دخول حزب الله في حرب إيران، وإطلاقه ستة صواريخ على إسرائيل. وباستثناء بلدة رميش التي لم ينزح أهلها، ترك سكان القرى الحدودية، وصور، والنبطية، وبنت جبيل، حيث يُزرع الدخان على مساحات تمتد لآلاف الدونمات، أرزاقهم وراءهم. و”من المتوقع أن يشهد إنتاج الدخان هذا العام انخفاضًا يتجاوز 60%”،يقول المزارع مصطفى عمار، “إذ يُرجّح أن تتراجع الكميات المنتجة من حدود 5000 طن قبل حرب الإسناد عام 2023 إلى أقل من 2000 طن”.

ويعود ذلك، وفق عمار، إلى عاملين أساسيين:

  • عدم تمكّن المزارعين من التشتيل، الذي يبدأ مع مطلع آذار.
  • تعرّض مساحات واسعة من الأراضي للتلف جرّاء حرب عام 2023.

أما في حال طالت الحرب لأشهر، فإن ما زُرع سيجف بعد انتهاء موسم الأمطار في نيسان، وسيفقد المزارعون كامل الموسم لهذا العام.

تهاوي الأسعار

خسارة موسم الدخان تعني تضرّر آلاف العائلات، إذ إن نحو 17 ألف عائلة تعتمد، بشكل جزئي أو كلي، على زراعة التبغ. وتزداد أهمية هذا القطاع كون عملية بيع المحصول تتم دفعة واحدة إلى «إدارة حصر التبغ والتنباك اللبنانية» (الريجي)، بين أيلول وتشرين الأول من كل عام، بالتزامن مع استعداد العائلات لاستقبال موسم الشتاء، وتأمين المؤونة، ودخول المدارس.

الصعاب هذا العام لا تقتصر على تراجع المساحات المزروعة نتيجة التهجير وتلف الأراضي، أو عدم التمكن من الوصول إليها بسبب الاحتلال، بل تمتد أيضًا إلى تراجع الأسعار. فالريجي، بوصفها المشتري الأكبر والوحيد الذي يحتكر سوق الدخان، حدّدت سعر موسم 2025 الذي جرى تسليمه قبل أشهر قليلة، بنحو 8 دولارات للكيلوغرام الواحد، وأضافت 50 سنتًا (نصف دولار) كمساعدة اجتماعية للمزارعين.

وعليه، بقي سعر مبيع الكيلو أقل بنحو 6% مما كان عليه قبل اندلاع الانهيار الاقتصادي عام 2019، رغم أن نسبة التضخم بالدولار بين 2019 و 2025 تجاوزت 30%. وهذا يعني أن السعر، بعد احتساب التضخم وارتفاع الأكلاف على المزارعين، من ريّ، وحراثة، وأجور عمال، وأكياس خيش، وتسميد، ومكافحة حشرات، كان ينبغي ألا يقل عن 12 دولارًا للكيلوغرام. غير أن الاحتكار الذي تتمتع به الريجي يتيح لها فرض السعر الذي يناسبها، بغض النظر عن كلفة الإنتاج. في المقابل، لا يجد المزارعون بديلًا عنها، كونها الجهة الوحيدة التي تشتري الدخان، فيما لا يتجاوز ما يمكن بيعه بالمفرّق بضعة مئات من الكيلوغرامات، وهي كمية لا تعوّض انخفاض الأسعار.

الاحتكار يفاقم المشاكل

إلى جانب مشكلة التسعير، يواجه مزارعو التبغ تحكّم إدارة الريجي، بوصفها جهة تحتكر تصنيع واستيراد الدخان، بالكميات المشتراة وكيفية احتسابها. فالرخصة التي تمنحها تتيح لكل مزارع زراعة ما يصل إلى 4 دونمات (4000 متر مربع)، على أن يكون سقف الاستلام بحدّه الأقصى 100 كيلوغرام عن الدونم الواحد. وهذا يعني أن جهد العام بالنسبة للمزارع الذي ينتج الحد الاقصى المسموح، لا يتجاوز 3200 دولار، على أساس سعر 8 دولارات للكيلوغرام. فضلًا عن ذلك، فإن تحديد سقف أقصى لإنتاج الدونم يحرم المزارعين من إمكانية زيادة الإنتاج لتحقيق ما يُعرف بـ«وفورات الحجم»، وبالتالي رفع المداخيل المتأتية من الزراعة. وبحسب مصادر من المزارعين، يمكن رفع إنتاج الدونم الواحد إلى ما بين 200 و250 كيلوغرامًا سنويًا، في حال ساعد الطقس وجرت تسميد الأرض ومعاملتها بشكل جيد. إلا أن الريجي لا تشتري سوى ما يصل إلى 100 كيلوغرام، ما يضطر المزارع إلى تصريف الكميات الإضافية في سوق لا يوجد فيها طلب كبير. ونتيجة زيادة العرض على الطلب، تتراجع الأسعار في السوق الثانوية إلى ما دون 8 دولارات، وأحيانًا إلى أقل من السعر الذي تدفعه الريجي للكيلوغرام الواحد.

إضافةً إلى ذلك، يواجه مزارعو الدخان مشكلة حسم ما لا يقل عن 4 كيلوغرامات من كل 100 كيلوغرام تُسلَّم، بدل وزن أكياس الخيش التي تُلفّ بها بالات التبغ. إذ يجري توضيب كل 25 كيلوغرامًا في بالة منفردة، كما تُحسم كميات إضافية تُعدّ غير صالحة للاستعمال، وفق تقدير مراقبي الشراء. وإذا افترضنا أن الحد الأقصى لتسليم المزارع يبلغ 400 كيلوغرام، فإن كمية الاقتطاع قد تصل إلى 16 كيلوغرامًا، أي ما يقارب 4% من إجمالي العائد.

فتح السوق على المنافسة

مطالبة الريجي عامًا بعد آخر، برفع أسعار شراء التبغ لا تجد صداها، ولن تجده، ما دامت الجهة شبه الوحيدة التي تشتري إنتاج المزارعين. وما لم يُفتح سوق صناعة الدخان واستيراده أمام المنافسة، ويُسمح بدخول شركات جديدة إلى هذا القطاع، فإن الأسعار ستستمر في التراجع. فالمزارعون الذين يحاولون الابتعاد عن الريجي يجدون أنفسهم في فم التجار الذين يشترون التبغ للتصدير بأسعار زهيدة، فيهربون من حفرة ليقعوا في أخرى. ولو كان هناك أكثر من جهة لتصنيع الدخان، لكانت عملية البيع أسهل على المزارعين، ولتنافست الشركات على شراء التبغ، ما كان سينعكس تحسنًا تلقائيًا في الأسعار.

هذا إذا بقينا ضمن منطق السوق والواقع، من دون التطرق إلى السؤال الإشكالي الذي يطرح نفسه: لماذا يستمر وجود احتكار في هذا القطاع ضمن مؤسسات عامة، إلى جانب قطاعات أخرى كالكازينو والطيران؟ ولماذا لا يُفتح السوق أمام المنافسة؟ وذلك على الرغم من أن أرباح الريجي المقدرة بموازنة 2026 بنحو 246 مليون دولار، وإن كانت مرتفعة، تبقى أقل مما يُفترض أن تحققه شركة تحتكر هذا القطاع، لا سيما عند مقارنتها بحجم استهلاك اللبنانيين من الدخان سنويًا، وسيرهم على القاعدة الشعبية “نفخ عليها تنجلي”.