5 مليارات دولار خسائر الاقتصاد جراء حرب 2026

خسائر

في خضمّ التقديرات حول حجم خسائر حرب 2026 على الاقتصاد اللبناني، تبقى الإحصاءات الفعلية والمؤشرات الاقتصادية المستندة إلى أرقام واقعية خيرَ معينٍ على هذه المهمة الشاقة.

تتوزّع الخسائر على شقّين رئيسيين: الخسائر المباشرة، التي يمكن إحصاؤها من خلال الأضرار التي لحقت بالوحدات السكنية والتجارية والبنى التحتية، والخسائر غير المباشرة، التي يتم تقديرها على أساس الانكماش الاقتصادي المسجّل خلال فترة معينة مقارنةً مع الناتج المحلي الإجمالي.

3.5 مليار دولار خسائر مباشرة

فيما يتعلق بالخسائر المباشرة، أدّت الحرب إلى تدمير نحو 245 مبنى في الضاحية الجنوبية لمدينة بيروت، بمتوسط 20 شقة سكنية للمبنى الواحد، «بحسب أحدث الأرقام»، يقول الباحث محمد شمس الدين، «بمجموع يصل إلى 4900 وحدة سكنية». أمّا فيما يتعلق بالمناطق الجنوبية، فلم تتضح الصورة بعد بشكل دقيق، نظرًا لاستحالة الوصول إلى المناطق المتضررة، والتي ما زال معظمها واقعًا تحت الاحتلال الإسرائيلي. إلا أنّه، قياسًا لما يُنقل، فإن الأضرار كبيرة، ويمكن تقديرها بشكل مباشر بنحو 3.5 مليارات دولار.

1.5 مليار دولار خسائر غير مباشرة

وإن كان من الأسهل إحصاء الخسائر المباشرة، فإن التوصل إلى رقم تقريبي للخسائر غير المباشرة يبقى رهن التقديرات المبنية على قياس نسبة التراجع في النشاط اليومي. فبحسب آخر الأرقام، وصل الناتج المحلي الإجمالي، لغاية نهاية عام 2025، إلى 31 مليارًا و567 مليون دولار، وذلك بالاستناد إلى أن الناتج في العام الماضي نما بنسبة 3.5%، مقارنةً بـ30.5 مليار دولار في عام 2024، بحسب أرقام الإحصاء المركزي.

وعليه، يمكن تقدير أن الناتج اليومي يبلغ نحو 87 مليون دولار. وعلى افتراض تراجع النشاط الاقتصادي، بالحد الأقصى، بين 30 و35 مليون دولار يوميًا، نتيجة تعطل بعض القطاعات الصناعية والزراعية والتجارية، ولا سيما في المناطق التي تتعرض للقصف والنزوح، فإن خسائر الحرب غير المباشرة،  الممتدة منذ الثاني من آذار الماضي، تتراوح بين 1.5 مليار و1.8 مليار دولار، بحسب شمس الدين. وبذلك، فإن مجمل الأضرار، المباشرة وغير المباشرة، يبلغ نحو 5 مليارات دولار حتى الآن.

تراجع مؤشر مديري المشتريات

ومن المؤشرات المهمة لقياس مدى تأثر القطاعات التجارية والصناعية بالحرب، يبرز انخفاض مؤشر مديري المشتريات. فقد تراجع هذا المؤشر خلال شهر آذار في لبنان إلى أدنى مستوى له في 17 شهرًا، مع تضرر النشاط التجاري جراء الحرب، حيث انخفض إلى 47.4 نقطة، بعد أن كان 51.2 نقطة في شباط. وتُظهر القراءة فوق 50 توسعًا اقتصاديًا، بينما تشير القراءة دون 50 إلى انكماش. ويُعد هذا المؤشر استباقيًا مهمًا لاتجاهات الاقتصاد المستقبلية على المدى القريب.

وتكمن أهمية مؤشر مديري المشتريات (PMI) في كونه مؤشرًا شهريًا حيويًا يقيس صحة القطاع الخاص (الصناعي والخدمي) لنحو 450 شركة، وذلك بناءً على خمس ركائز رئيسية، بأوزان مختلفة:

الطلبيات الجديدة، وتمثل 30% من المؤشر.

الإنتاج، ويمثل 25% من المؤشر.

التوظيف، ويمثل 20% من المؤشر.

مواعيد تسليم الموردين، وتمثل 15% من المؤشر.

المخزون، ويمثل 10% من المؤشر.

وقد كان هذا التراجع مدفوعًا بانخفاض الإنتاج والطلبات الجديدة، حيث أبلغت الشركات عن عمليات إلغاء وتأخيرات مرتبطة بالنزاع المستمر. كما تراجع الطلب على الصادرات بشكل ملحوظ، مسجلًا أكبر انخفاض له منذ تشرين الأول 2024، في حين انخفضت الأعمال المتراكمة نتيجة تراجع النشاط التجاري.

كذلك خفّضت الشركات مشترياتها ومخزوناتها، في وقتٍ طالت فيه فترات تسليم الموردين إلى أعلى مستوى لها في ثلاث سنوات، بسبب اضطرابات النقل وتعطل سلاسل التوريد. وفي المقابل، ارتفعت تكاليف المدخلات بوتيرة أسرع، ما دفع الشركات إلى رفع أسعار البيع. وتراجعت معنويات قطاع الأعمال بشكل ملحوظ، حيث أصبحت الشركات أكثر حذرًا في توقعاتها، إذ تلقي المخاوف من نزاع مطوّل بظلالها على التوقعات للعام المقبل.

التداعيات قد لا تظهر سريعا

وعلى الرغم من فداحة الخسائر، قد لا تظهر آثارها على المالية العامة ونشاط القطاعات بشكل سريع أو فوري. فالتعويضات عن الخسائر المباشرة للحرب ستبقى معلّقة بانتظار المساعدات الدولية والقروض والمنح. وباستثناء بعض عمليات رفع الأنقاض في المناطق التي سيعود إليها النازحون، وتأمين شبكات الكهرباء والاتصالات، وصيانة المجاري وشبكات الصرف الصحي، التي تكلّف بضعة ملايين من الدولارات، فإن الأعمال الكبرى لا قدرة للدولة على تمويلها.

أما فيما يتعلق بالخسائر غير المباشرة، فما زال من الممكن التعويض عنها في حال توقفت الحرب وانسحبت إسرائيل من الجنوب، إذ إن المعامل والمؤسسات التي أقفلت مؤقتًا ستكون قادرة على استئناف أعمالها سريعًا، كما ستستفيد هذه القطاعات من تدفق الرساميل والاستثمارات والمنح والمساعدات، إضافة إلى عودة السياح في فصل الصيف، ما يساعدها على استعادة عافيتها.

ويبقى الخطر الأساسي في عدم توقف الحرب واستمرار الاحتلال في الجنوب، وما يترتب على ذلك من خسائر مادية ومعنوية إضافية، وإطالة أمد الأزمة.