شكّل “الناتج المحلي الإجمالي” (GDP)، منذ بداية الانهيار، مادة دسمة للخلاف بين الخبراء، وبينهم وبين الجهات الرسمية. ففي الوقت الذي كانت فيه التقديرات العامة تشير إلى تقلّص الناتج بأكثر من 60% لغاية 2023، كانت بعض التحليلات الخاصة تعتبر أن الأرقام مبالغ بها بإفراط، وأنه لم ينخفض بأكثر من 25%. وما التخفيض الحاد للناتج، برأيها، إلا خدمة لأغراض إظهار عجز لبنان وحاجته إلى المساعدات، ولا سيما أن الناتج هو المعيار المعتمد عالميًا لقياس أداء مختلف المؤشرات، من الدخل إلى الدين العام وعجز الموازنة والإيرادات والنفقات، وغيرها الكثير.
هذه السردية التي طغت على المشهد الماكرو-اقتصادي بدأت تتبدل منذ العام 2025. فجأة، ظهر على لسان المسؤولين، ومنهم وزير المالية ياسين جابر، رقم 38 مليار دولار كتقدير أولي للناتج، وذلك خلال إطلاق تقرير “حقائق ونتائج مراجعة الإنفاق الحكومي على الحماية الاجتماعية (2017 – 2024)”، من “معهد باسل فليحان المالي والاقتصادي”. وقد أصبح تكبير الناتج في هذه المرحلة حاجة وطنية لتعزيز موقف لبنان في المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، التي انتقلت إلى مرحلة أكثر جدية. فكلما ارتفع الناتج، انخفضت نسبة الدين إليه. وهذا الشرط هو أحد أبرز مطالب الصندوق؛ إذ لا اتفاق مع لبنان ما لم تنخفض هذه النسبة إلى ما دون 100 في المئة على أقل تقدير، مع العلم أن “الصندوق” عادة ما يشترط ألا تتجاوز نسبة الدين إلى الناتج 60%.
المبالغة بأرقام الناتج
تتابعت الأيام وتعاقبت، فأصدرت إدارة الإحصاء المركزي أخيرًا، في 14 نيسان الحالي، تقريرًا عن المحاسبة الوطنية والناتج المحلي الإجمالي للعام 2024، بالشراكة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP).ويُظهر التقرير أن الناتج، بحسب الجهة الرسمية التابعة لرئاسة مجلس الوزراء، قُدّر بالأسعار الجارية بـ 2728 تريليون ليرة لبنانية، أي ما يقارب 30.5 مليار دولار، مرتفعًا من 25.9 مليار دولار أمريكي في عام 2023. وإذا انطلقنا من أحدث تقرير صادر عن البنك الدولي بعنوان “مرصد لبنان الاقتصادي”، والذي يشير إلى أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي نما بنسبة 3.5% في عام 2025، فإن قيمة الناتج الحقيقية تُقدّر بنحو 31 مليارًا و567 مليون دولار، وليس 38 مليارًا.
الحرب تعيد الناتج إلى 2023
الهدف من هذا البرهان ليس دحض الأرقام والتقديرات، بقدر ما هو لقياس تأثير الحرب على الاقتصاد والخسائر التي سببتها. فقد توقع معهد التمويل الدولي (IIF) في أحدث تقرير له أن ينكمش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 12 إلى 16% هذا العام وسط الحرب. وعليه، سيتراجع الناتج بين 3.7 مليار و5 مليارات دولار، وسيعود بحسب أفضل التقديرات إلى مستواه الذي كان عليه في نهاية عام 2023، عند حدود 25 مليار دولار، في حال صحت هذه التوقعات.
صدمة دورية وهيكلية
لعل أخطر ما في هذه الحرب ليس الانكماش الحاد في الناتج المحلي فحسب، إنما تسببها بـ”صدمة دورية وهيكلية في آنٍ واحد”، بحسب معهد التمويل الدولي، إذ يُؤدي الضرر الهائل الذي لحق بالبنية التحتية إلى خفض النمو المحتمل، ومن المرجح أن يُؤخر التعافي لفترة طويلة بعد انتهاء النزاع. ومما سيترتب على هذه الحرب من نتائج أيضًا، “تدهور الموازين الخارجية مع ارتفاع تكاليف استيراد الطاقة وضعف صادرات السلع والخدمات بشكل حاد، الأمر الذي يُؤدي إلى اتساع عجز الحساب الجاري، في حين تبقى خيارات التمويل الخارجي محدودة”.
المزيد من القروض
وعلى صعيد المالية العامة، يُتوقع أن تتفاقم الضغوط مع انخفاض الإيرادات وارتفاع احتياجات الإنفاق. وستتحول الأولويات من القروض التنموية إلى المساعدات الإنسانية. وهذا ما أكّد عليه وزيرا المالية والاقتصاد من واشنطن، على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين. فقد جرى التوصل إلى توقيع اتفاق بقيمة 200 مليون دولار مع البنك الدولي، بحسب وزير الاقتصاد عامر البساط لضمان استمرار برنامج “أمان” القائم على التحويلات النقدية، لنحو 165 ألف أسرة من الأكثر حاجة. كما يجري التفاوض مع صندوق النقد الدولي للحصول على تمويل قصير الأجل يصل إلى مليار دولار، بحسب ما نقلت “بلومبيرغ” عن مصادر، لدعم الموازنة، وسط توقعات بأن تشهد عجزًا نتيجة زيادة النفقات عن الإيرادات، وحتى لا تضطر الدولة إلى الاستدانة من مصرف لبنان، الذي يفرض قيودًا واسعة على هذا المجال.
عدم الاستقرار المدار
النتيجة الأكثر ترجيحًا لما ينتظر لبنان في الأيام القادمة، وربما في السنوات المقبلة، هي “المراوحة في خانة عدم الاستقرار المُدار، رهناً بمدة الصراع والدعم الخارجي”، بحسب معهد التمويل الدولي. ويضيف المعهد أنه حتى لو هدأت الأعمال العدائية في الأسابيع المقبلة، فإن التوترات الكامنة ستستمر. وبالتالي، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا هو عدم استقرار متقطع بدلًا من صراع مستمر، مما يسمح بفترات من تطبيع جزئي للأوضاع. وتشير التجربة التاريخية، بحسب المعهد، إلى أن هذا النوع من “التطبيع بعد الصراع”، وإن كان جزئيًا، يبقى ممكن التحقيق، لا سيما في حال توفر الدعم الخارجي والقدرة على التكيف الداخلي.
على الرغم مما توحي به عبارة “عدم الاستقرار المُدار” من طمأنة نسبية بإمكانية أن يشهد الاقتصاد فترات تعافٍ، إلا أنها، في المقابل، تعيق زخم الإصلاحات، وتُبقي لبنان على مسار استقرار بنمو منخفض، بدلًا من تمكينه من تحقيق انتعاش حاسم.
