فاجأت الإمارات العربية المتحدة الأقربين بانسحابها من “منظمة الدول المصدرة لـ النفط” (OPEC) قبل الأبعدين. فالخطوة السريعة، المعزولة عن أي تنسيق مع الدول الأعضاء في المنظمة، أتت في مرحلة بالغة التعقيد على المستويين السياسي الإقليمي والنفطي العالمي. وخلافًا للانسحابات العديدة التي شهدتها أوبك منذ تأسيسها في العام 1960، وآخرها قطر في العام 2019، فإن انسحاب الإمارات سيترك، بحسب التحليلات، تأثيرًا على مستقبل المنظمة بشكل خاص، وسياسات الطاقة العالمية بشكل عام.
لم تكن الإمارات الدولة الأكثر تصديرًا لـ النفط في “أوبك”، لكنها كانت تلعب دور الموازن الذي يُرجّح كفة التعقّل في الإنتاج، مقابل الدول التي تسعى إلى تخطي حصصها، ومنها روسيا، لتمويل نفقات الحرب مع أوكرانيا. وبخروجها ستفقد دفة القيادة صوتًا مؤثرًا في مواجهة الأعضاء غير المنضبطين، الذين يُشار إليهم عادةً بـ (Free Riders).
العين على فنزويلا
لعل أخطر ما قد تواجهه “أوبك” ليس انسحاب الإمارات، رغم أهميتها في المنظمة، بل أن يكون هذا الانسحاب مقدمةً لانسحابات أخرى لدول مؤثرة، وفي مقدمتها فنزويلا. فالأخيرة، التي تملك أكبر احتياطي نفطي في العالم، يُقدَّر بأكثر من 300 مليار برميل، تمرّ بظروف سياسية واقتصادية معقدة، وسط ضغوط وعقوبات تقودها الولايات المتحدة. ومن غير المستبعد أن تنعكس هذه الظروف على مواقفها داخل “أوبك”، بما قد يُسهم في إضعاف تماسك المنظمة وتأثيرها في القرار النفطي العالمي.
تفكيك البنية الاحتكارية
لطالما رأت الولايات المتحدة في “أوبك” احتكارًا يلحق الضرر بالمستهلك الأميركي. وقد سعت، منذ العام 2000، بالوسائل القانونية إلى تقويض المنظمة وجعلها خاضعة للمحاسبة بتهم الاحتكار والتحكم بسلعة أساسية بالغة الحساسية. وفي هذا السياق، أعدّ نواب من الكونغرس، من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، في بداية الألفية مشروع قانون لمنع تكتلات إنتاج وتصدير النفط، عُرف باسم “قانون نوبك” (NOPEC – No Oil Producing and Exporting Cartels Act). ويهدف هذا المشروع، الذي طُرح وعُدّل عدة مرات على مدى سنوات، إلى إخضاع أعضاء “أوبك” وحلفائها (أوبك+) لقوانين مكافحة الاحتكار الأميركية. كما ينصّ المشروع على تعديل قانون شيرمان لمكافحة الاحتكار الصادر عام 1890، بما يؤدي إلى إلغاء الحصانة السيادية التي تحمي “أوبك” وشركات النفط الوطنية التابعة لدولها الأعضاء من الملاحقة القضائية.
مشروع القانون، الذي أُجريت عليه تعديلات كثيرة، لم يُقرّ بعد في الكونغرس، رغم طرحه آخر مرة في عام 2022 على خلفية الحرب الروسية. وقد اعتبرت الولايات المتحدة، وقتها، أن خفض إنتاج “أوبك” أضرّ بالمستهلك الأميركي، وأدى إلى ارتفاع أسعار البنزين، ما فاقم معدلات التضخم في البلاد، في وقت كانت تسعى فيه للخروج من تداعياته بعد جائحة كورونا. وفي حال إقرار مشروع قانون “نوبك” ستتمكن وزارة العدل الأمريكية برفع دعاوى قضائية أمام المحاكم الاتحادية ضد “أوبك” أو أعضائها بتهم التواطؤ لرفع أسعار النفط أو خفض الإنتاج، بتهم “الممارسات الاحتكارية”.
التداعيات الدبلوماسية والاقتصادية، التي ما تزال تحول دون إقرار القانون، قد تحقق أهدافها من خلال إضعاف “أوبك” أو حتى تفكيكها نهائيًا بعد عدة سنوات. فانسحاب الدول من المنظمة سيُعتبر “انتصارًا كبيرًا لأ السياسة الخارجية الأمريكية”، لأنه قد يؤدي إلى تفكيك وحدة القرار النفطي، ويضعف قدرة “أوبك” على استخدام النفط كأداة ضغط سياسي.
الاستقلالية لتحقيق الأهداف
إن الانسحاب الإماراتي من “أوبك”، وما قد يتبعه من انسحابات متوقعة، قد يتقاطع مع مصلحة الولايات المتحدة في هدفها الرامي إلى خفض أسعار النفط عالميًا. في المقابل، تسعى العديد من الدول إلى بقاء أسعار النفط مرتفعة. فالسعر الذي يتجاوز 80 دولارًا للبرميل يعوّض على روسيا الحسومات التي تُفرض على مبيعات نفطها نتيجة العقوبات الأميركية، كما يخدم الأسعار المرتفعة الأهداف التنموية وخطط الإعمار المستقبلية لعدد من الدول، ومنها السعودية. وعليه، فإن وضع سقوف إنتاجية لدى الدول المصدّرة للنفط يدعم بقاء الأسعار مرتفعة، ما يؤدي إلى عدم زيادة المعروض، ويؤثر سلبًا على الدول التي تسعى إلى بيع كميات أكبر من النفط، سواء لأسباب اقتصادية أو استراتيجية، مثل الإمارات العربية المتحدة.
وقد سعت السعودية بالفعل إلى التأثير في أسعار النفط عالميًا من خلال رفع أسعار خامها العربي بشكل ملحوظ. حيث عمدت شركة النفط الوطنية أرامكو السعودية إلى تحديد سعر البيع الرسمي للخام العربي الخفيف في شهر أيار إلى آسيا عند علاوة غير مسبوقة بلغت 19.50 دولارًا للبرميل فوق متوسط خامي عُمان/دبي، بزيادة قدرها 17 دولارًا عن الشهر السابق. كما حددت الشركة سعر البيع الرسمي للخام العربي الخفيف إلى منطقة البحر المتوسط في أيار عند علاوة بلغت 27.65 دولارًا للبرميل فوق سعر خام برنت في بورصة إنتركونتيننتال، بزيادة قدرها 2.65 دولار عن الشهر السابق.
في المقابل، تسعى الإمارات العربية المتحدة إلى التحرر من القيود الكمية والسعرية التي تفرضها “أوبك” والدول المحورية فيها. ويرى محللون أن أبوظبي تتبنى استراتيجية تقوم على إنتاج أكبر قدر ممكن من النفط حاليًا لتمويل التحول نحو الاقتصاد الأخضر. فإن الاحتفاظ بالنفط في باطن الأرض التزامًا بحصص “أوبك” يُعد مخاطرة بخلق “أصول عالقة” (Stranded Assets) قد تفقد قيمتها في المستقبل، ولا سيما مع وجود إجماع على أن “نافذة الطلب” الذهبية على الوقود الأحفوري قد تُغلق بحلول عام 2040. إلى جانب ذلك، ترى الإمارات ضرورة عدم بقائها محصورة ضمن سقوف “أوبك” البالغة نحو 2.5 مليون برميل يوميًا، في حين يمكنها الوصول إلى نحو 5 ملايين برميل يوميًا، بعد أن استثمرت أكثر من 122 مليار دولار في تطوير ورفع طاقتها الإنتاجية. وهي تسعى، بحسب الخبراء، إلى إطلاق خامها الخاص “مربان” وتحويله إلى معيار تسعير عالمي، وهو ما يتطلب مرونة في الإمدادات لا توفرها “أوبك”، ولا تتحقق إلا عبر ترك قوى السوق تحدد حجم الإنتاج.
مما لا شك فيه أن “أوبك” تمثل واحدة من أكبر التكتلات الاحتكارية المؤثرة في سوق النفط العالمي. فهي تتحكم بنحو 40% من الإنتاج النفطي العالمي، و80% من الاحتياطيات المؤكدة، ما يمنحها قدرة كبيرة على التأثير في الأسعار وفقًا لمصالح الدول الأعضاء، وهي: الجزائر، الكونغو، غينيا، الغابون، إيران، العراق، الكويت، ليبيا، نيجيريا، السعودية وفنزويلا. وعادةً ما يستشهد الاقتصاديون بمنظمة “أوبك” كمثال نموذجي على اتفاق تعاون بين الدول للحد من المنافسة في السوق. إن تراجع الدور المؤثر لهذه المنظمة، سواء بسبب الانسحابات أو صعود منتجين جدد في دول مثل البرازيل وغيانا وغيرها، قد يؤدي إلى خفض أسعار النفط عالميًا، وهو اتجاه قد يتعزز مع تراجع الطلب نتيجة التحول نحو الاقتصاد الأخضر.
فهل يكون انسحاب الإمارات بداية نهاية “أوبك”؟
