رفعت الولايات المتحدة من مستوى التصعيد عبر فرض حصار على السفن المتجهة من وإلى موانئ إيران أو مناطقها الساحلية، على إثر فشل الجولة الأولى من المفاوضات.
تحاول الولايات المتحدة من هذا الحصار “مسك” إيران “من اليد” التي تؤلمها، وجرّها مرغمةً إلى المفاوضات والقبول بالشروط. إذ من المتوقع أن يقلّص الحصار مواردها المالية، ولا سيما المتأتية من النفط، بشكل شبه كلي. فمع كل غروب شمس قد تخسر إيران أكثر من 150 مليون دولار جراء تعطل صادراتها النفطية. هذا من دون الحديث عن تعطل بقية صادراتها من الغاز والبتروكيماويات والأسمدة والسجاد وبعض الأصناف الزراعية ذات القيمة المرتفعة مثل الفستق والزعفران.. وغيرها.
الحصار يعطل المشاريع العملاقة
إن كان بإمكان إيران تصريف بعض منتجاتها برًّا، وهي التي تمتلك حدودًا برية طويلة جدًا مع العراق وتركيا وأفغانستان وباكستان وتركمانستان وأرمينيا وأذربيجان، فلن تستطيع تصريف نقطة نفط واحدة خارج أراضيها. فخلافًا لأكثرية الدول النفطية، لا تملك إيران أنابيب تصدير برية. ومجمل شبكتها الكبيرة من الأنابيب داخلية، وتقتصر على نقل النفط من الحقول إلى المصافي والمدن. وأهم هذه الشبكات من الخطوط تلك التي تنقل النفط من الأحواز في جنوب غرب إيران إلى جزيرة خرج القريبة، التي تقع على بعد 26 كيلومترًا عن الساحل الإيراني، حيث تمكّن مياه الجزيرة العميقة ناقلات النفط من الرسو وتحميل نحو 90% من النفط المنتج لنقله بحرًا عبر مضيق هرمز.
المفارقة أن مشاريع نقل النفط التي طورتها إيران برًّا، الجديدة منها والقديمة، لن تنفع مع الحصار البحري الذي فرضته الولايات المتحدة على بحر إيران، وذلك على الرغم من كونها مشاريع استراتيجية أُنفِق عليها مليارات الدولارات خلال السنوات الماضية.
المشروع الجديد الذي دُشّن في العام 2021 بكلفة وصلت إلى ملياري دولار، يسمح بنقل النفط الإيراني برًا من كوره جنوب غرب البلاد إلى ميناء جاسك في الجنوب الشرقي على بحر عُمان. صحيح أن هذا الخط، بطول ألف كيلومتر، يتفادى عبور الناقلات في مياه الخليج ومضيق هرمز الاستراتيجي، إلا أنه يقع في دائرة الحصار البحري الأميركي. فالنفط الذي يصل إلى منصة التصدير في مكران يجب أن يُحمّل في الناقلات ليتم نقله، وهذا ما لا يمكن تحقيقه في ظل الحصار البحري المطبق. وأساسًا تُعدّ قدرة الأنبوب الاستيعابية صغيرة جدًا، إذ لا تتجاوز 300 ألف برميل يوميًا، في حين يصل الإنتاج الإيراني المصدَّر عبر جزيرة خرج إلى ما بين 1.5 و2 مليون برميل يوميًا.
المشروع الثاني القديم، المعروف أيضًا بـ”تيب لاين”، ينقل النفط الإيراني إلى البحر المتوسط ومنه إلى أوروبا، إنما عبر إسرائيل. وقد أُنشئ هذا المشروع في ستينيات القرن الماضي، ونصّ على نقل النفط الإيراني بحرًا من الخليج إلى ميناء إيلات على البحر الأحمر لتفادي قناة السويس، ثم يُضخ عبر خط أنابيب بطول 255 كلم داخل إسرائيل إلى عسقلان على البحر المتوسط وبقدرة 1.2 مليون برميل في اليوم. إلا أن هذا الخط توقف بعد سقوط حكم الشاه في إيران وانتصار الثورة الإسلامية في العام 1979.
في المقابل، حال الموقع الجغرافي لإيران وتباعدها عن جيرانها بعد انتصار الثورة الإيرانية وعدائها مع أكثريتهم، والعقوبات الغربية التي فُرضت عليها، دون تطوير خطوط نقل برية لإيصال نفطها خارج الخليج وبحر عُمان، ما اضطرها إلى تطوير الموجود من حقول ومنصات تصدير، ولا سيما في خرج، لتصريف ما تنتجه من نفط.
إيران الخاسر الأكبر
اليوم، تجد إيران نفسها محاصرة أكثر من أي وقت مضى. فحتى في خضم الحرب الضروس الأميركية الإسرائيلية عليها، وتصفية قياداتها السياسية، وتدمير برنامجها النووي، وقصف منشآتها الاستراتيجية وجسورها وبنيتها التحتية.. غُضّ النظر عن تصدير نفطها. أكثر من ذلك، تم رفع العقوبات ظرفيًا عنها ولمدة مؤقتة. وما جرى أثناء القتال لم يكن محبةً بها أو رأفةً بمواردها المالية، إنما لعدم إضافة سبب جديد لاختناق المعروض النفطي وإثارة نقمة عالمية من ارتفاع الأسعار. وقد استطاعت إيران في ذروة الحرب خلال آذار الماضي أن تحقق إيرادات بحدود 4.5 مليارات دولار من مبيع النفط نحو 2 مليون برميل يوميا، وتخفيف الضغط عن المستوردين الأساسيين، في مقدمتهم الصين التي تستورد 90% من النفط الإيراني.
الصين ثاني أكبر المتأثرين
اليوم لن تخسر إيران موردها المالي فحسب، إنما سترتفع الضغوط على الصين. فالأخيرة لا تعتمد بجزء كبير على النفط الإيراني لتغذية مكنتها الإنتاجية فحسب، إنما تشتريه بأسعار مخفضة تقل بنحو النصف عن سعر بيع النفط في الأسواق العالمية، ولا سيما في ما يخص مبيعات العقود الفورية التي تجاوزت اليوم 130 دولارًا للبرميل، ما يعزز قدرتها التنافسية بشكل هائل. وعدا عن ذلك، فإن البنية النفطية التحتية الصينية مصممة بشكل أساسي لاستيعاب النفط الإيراني الثقيل الغني بالكبريت، ومن الصعب إعادة تشكيل هذه المصافي لأنواع أخرى من النفط بشكل سريع.
وعليه، فإن الصين قد تكون ثاني أكبر المتضررين من الحصار الأميركي لإيران. فهل قصد الرئيس الأميركي دونالد ترامب توجيه رسالة مبطنة إلى الصين عبر محاصرة إيران على طريقة المثل الشعبي القائل: “الحكي لالك يا كِنّة لتسمعي يا جارة”؟ أم أن خسائر إيران هي من ضمن الأضرار الجانبية للحرب على إيران وغير مقصودة؟
الكثير من التحليلات تنحو باتجاه الرأي الأول. فالقصة أبعد من أن تكون فوضى استراتيجية كما يُسوَّق، بل تصميم مقصود بحسب بعض النظريات العلمية، ومنها للأستاذة في جامعة كامبريدج هيلين طومسون، حيث ترى أن الرئيس ترامب يعيد تشكيل قطاع الطاقة لمصلحة أميركا. فارتفاع الأسعار وإبقاؤها مرتفعة عند حدود 100 دولار للبرميل كمتوسط عام يشكل مكسبًا للاقتصاد الأميركي وخسارة لأكبر منافسيها، وهي الصين.
خلافًا للولايات المتحدة التي تُعدّ مصدّرًا أساسيًا للنفط، تبرز الصين كمستورد شبه صافٍ للنفط لتغذية مكنتها الإنتاجية الهائلة، وذلك في ظل عدم كفاية ما تنتجه من طاقة أحفورية، ما يساعد على إضعافها اقتصاديًا واستراتيجيًا. كما أن ارتفاع أسعار الطاقة يرجّح الكفة الأميركية في مجال الذكاء الاصطناعي ويقلل من التنافسية الصينية في هذا المجال، نظرًا لاعتماد هذا القطاع على الطاقة بشكل كبير ومكثف.
ارتفاع أسعار النفط يزيد مكاسب الولايات المتحدة
في المقابل، تستفيد الولايات المتحدة من ارتفاع الأسعار عبر زيادة صادراتها بأسعار مرتفعة، خصوصًا إلى أوروبا. وخلافًا لكل التهويل السياسي، فإن استطلاعات رأي راسموسن (Rasmussen) تشير إلى أن شعبية ترامب لم تتراجع منذ بداية الحرب. فالولايات الأميركية المستفيدة من ارتفاع أسعار النفط، مثل مناطق الإنتاج في الجنوب والغرب والغرب الأوسط، غالبًا ما تُعدّ من قواعد الدعم السياسي لترامب.
ولعل الدليل على استفادة الولايات المتحدة من ارتفاع أسعار النفط يكمن في منشور ترامب على منصة X، الذي قال فيه إن “أعدادًا هائلة من ناقلات النفط الفارغة تمامًا، بعضها من أكبر ناقلات النفط في العالم، تتجه الآن إلى الولايات المتحدة لتحميلها بأفضل أنواع النفط (والغاز!) وأكثرها جودة في العالم من أي مكان تريد”. مضيفًا: “لدينا من النفط ما يفوق مجموع ما لدى أكبر اقتصادين نفطيين في العالم، وبجودة أعلى. نحن بانتظاركم. أسرعوا في الوصول”.
حرب إيران دفعت العالم إلى حافة هاوية حرب عالمية جديدة، اقتصادية إن لم تكن عسكرية. والتداعيات المالية والنقدية بدأت بالظهور من خلال انخفاض معدلات النمو للدول للسنوات القادمة، وارتفاع نسب الفقر، وزيادة الديون، وعجز الكثير من الدول عن تأمين متطلباتها، وزيادة الحاجة إلى الاقتراض، ليس للتنمية، إنما للإنفاق على المتطلبات الأساسية.
