يستمرّ الاقتصاد اللبناني عالقًا في «عنق زجاجة» التخبطات الداخلية والإقليمية، ويكابد الأمرَّين لتجنّب السقوط مجددًا إلى قعر الانهيار. فبعد أشهر من الانتعاش النسبي، ظنّ اللبنانيون أنّها بداية النهاية للأزمة، عادت مختلف المؤشرات لتضغط بقوة على فوهة السياسات النقدية والمالية، دافعةً مصرفَ لبنان إلى إدارة الوضع بتعاميم تثير الخشية من صعوبة المرحلة، أكثرَ مما تنشر الاطمئنان على غد لبنان ومستقبله.
في 8 أيار الجاري أصدر مصرف لبنان التعميم الوسيط رقم 764، المتعلق بإعفاءات استثنائية من توظيفات المصارف الإلزامية، والمرفق بالتعميم الأساسي رقم 150. فماذا يعني ذلك؟
العودة إلى التعميمين 150 و154
لفهم التعميم الجديد، وقراءة أبعاد صدوره في هذا التوقيت بالذات، لا بد من العودة إلى مرحلتين أساسيتين:
- الأولى، هي المرحلة التي أعقبت الانهيار الاقتصادي مباشرة، حيث عمد مصرف لبنان إلى إصدار تعاميم لإدارة السيولة النقدية، ومحاولة استمرار جذب الودائع بالعملة الأجنبية، وتنظيم عمل المصارف، وذلك من خلال التعميمين الرئيسيين رقمَي 150 و154، وهما بالمناسبة التعميمان اللذان عدّلهما التعميم الوسيط الجديد.
- الثانية، هي المرحلة الحالية التي عادت فيها السيولة النقدية بالعملة الأجنبية إلى الشحّ، منذرةً بعواقب سلبية، ولا سيما على ميزان المدفوعات والإيرادات العامة.
قبل أكثر من 6 سنوات، وتحديدًا في 9 نيسان 2020، صدر التعميم رقم 150. وقد أعفى مصرف لبنان، بموجبه، البنوك من إجراء توظيف إلزامي لديه مقابل الأموال المحوّلة من الخارج و/أو الأموال التي تتلقّاها نقدًا بالعملات الأجنبية بعد تاريخ 9/4/2020، شرط ترك حرية استعمال هذه الأموال للعميل، إيداعًا وسحبًا وتحويلًا. وأعقبه بالتعميم الوسيط رقم 580 الصادر في شباط 2021، الذي أوضح بصورة أكثر صراحة أنّ على المصارف التي تتلقّى تحويلات من الخارج بالعملة الأجنبية أن تودع هذه الأموال نقدًا لديها أو لدى المصارف المراسلة «في حساب حرّ من أي التزامات».
وبعدها بأشهر قليلة، صدر في 27 آب التعميم رقم 154، الذي طلب من المصارف، إضافة إلى «حثّ» عملائها على إعادة ما بين 15 و30 في المئة من الأموال المحوّلة بعد عام 2017، والتي تفوق 500 ألف دولار، تكوينَ حساب خارجي حرّ من أي التزامات لدى المصارف المراسلة في الخارج، لا يقلّ، في أي وقت، عن 3 في المئة من مجموع الودائع بالعملات الأجنبية لديها، كما كانت عليه في نهاية تموز 2020.
مصرف لبنان جهة جديدة لخفظ التوظيفات
التعميم الجديد، الصادر أخيرًا، أضاف مصرف لبنان كجهة يمكن للمصارف أن تضع لديها توظيفًا إلزاميًا بنسبة 100% من قيمة الأموال النقدية بالعملة الأجنبية. وعلى هذا التوظيف أن يسبق اقتطاع المصارف نسبة 3% من مجمل ودائعها بالعملة الأجنبية، بالدولار والـ«لولار»، ووضعها في حساب حرّ من أي التزامات لدى المصارف المراسلة، وذلك بحسب التعميم 154 السابق ذكره.
وبرأي المستشار المالي د. غسان شماس، فإن هذا التعميم يحقق مجموعة من الأهداف، أبرزها:
- حماية أموال الـFresh Dollar
مصرف لبنان يريد أن يقول إن الأموال الجديدة بالدولار يجب أن تكون مغطاة بالكامل، وغير معرضة للاستعمال أو التبخّر كما حصل مع الودائع القديمة.
- إعادة بناء الثقة
هو محاولة لإعطاء المودعين والشركات إشارة بأن الأموال النقدية الجديدة باتت مفصولة نسبيًا عن أزمة «اللولار».
- تشديد الرقابة على المصارف
التعميم يقيّد قدرة المصارف على استخدام السيولة الحرة لتغطية خسائرها أو نفقاتها التشغيلية.
مخاطر النقص بالسيولة النقدية
فيما يخص المرحلة الحالية، فإنه منذ تجدد الحرب بين حزب الله وإسرائيل في 2 آذار، بالتزامن مع اندلاع حرب إيران، أخذت التدفقات النقدية بالعملة الأجنبية تشحّ. فقد تراجعت تحويلات المغتربين اللبنانيين بين 2 و5% عبر القنوات الرسمية، وبنسب أعلى بكثير عبر الأموال المحمولة يدويًا عند زيارة لبنان، نتيجة صعوبات السفر المرتبطة بظروف الحرب في الداخل وفي بعض دول الخليج.
بالتوازي، تراجعت التدفقات السياحية التي تجاوزت 5 مليارات دولار في عام 2025 خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الحالي، كما تراجعت المساعدات الخارجية من حدود 700 مليون دولار في عام 2024 إلى نحو 90 مليون دولار هذا العام.
كل ذلك خلق مشكلة في سيولة النقد الأجنبي وتراجعًا في الإيرادات العامة، وأعاد إثارة المخاوف من لجوء الدولة إلى طلب التمويل من مصرف لبنان، سواء بالليرة أو بالدولار، بحسب المستشار المالي د. غسان شماس. إلا أنه “لطالما ترك مصرف لبنان حرية اختيار مكان توظيف الودائع الجديدة، ولم يعد يمنح عائدًا عليها في حال توظيفها لديه، فلا خطورة من تكرار النهج السابق”، يضيف شماس، أي استخدام مصرف لبنان لهذه الأموال في إقراض الدولة أو في غيرها من التوظيفات التي أدّت سابقًا إلى ضياع الودائع وتحويلها إلى «لولار».
إعادة هيكلة المصارف
ومن الأهداف التي يمكن أن يحققها هذا التعميم، بحسب شماس، التحضير لإعادة هيكلة القطاع المصرفي. فمن الواضح أن مصرف لبنان يسعى إلى فرز المصارف القادرة فعليًا على تأمين سيولة حقيقية بالدولار، من تلك التي تعاني نقصًا حادًا.
فبعض المصارف التي لجأت إلى التوسع في عمليات الإقراض، سواء عبر القروض المباشرة أو بطاقات الائتمان، قد تكون تستخدم جزءًا من هذه الأموال المتأتية من الودائع النقدية بالعملات الأجنبية، ما دفع مصرف لبنان إلى إعادة التأكيد على تكوين مؤونات بنسبة 100% على هذه الودائع، بما يمنع المصارف من الإقراض من هذه الأموال، ويجبرها على استخدام أموالها الخاصة، أو بعبارة أخرى الإقراض من رأسمالها. وهذا ما يُستبعد أن يتم فعليًا.
التصرف باليوروبوندز
في موازاة ذلك، سمح مصرف لبنان للمصارف ببيع سندات الخزينة اللبنانية بالعملات الأجنبية (يوروبوندز)، على أن تُستخدم المبالغ الناتجة عن عملية البيع وفق الآلية التالية:
- تأمين السيولة بغية تلبية القرار الأساسي رقم 13335 الصادر في 6 آب 2021، أي التعميم 158، والذي ينص على إجراءات استثنائية لتسديد تدريجي لودائع بالعملات الأجنبية.
- تمويل عملياتها التجارية والاستثمارية، وليس العمليات التشغيلية.
وبحسب شماس، فإن هذه النقطة تهدف إلى دفع المصارف نحو سيولة فعلية بدل الأصول الورقية. خصوصًا مع الإشارة إلى الـEurobonds والقيمة العادلة، ما يعني وجود توجه للانتقال من “دفاتر محاسبية” إلى سيولة قابلة للاستخدام.
في المقابل، ورغم الإيجابيات التنظيمية لهذا التعميم، فإنه لا يحل أزمة الودائع القديمة، ولا يعني أن أموال المودعين العالقة أصبحت مضمونة أو قابلة للسحب. بل يركز بشكل شبه كامل على الأموال النقدية الجديدة الداخلة بعد الأزمة. وهو يشبه إلى حد ما نوعًا من الضوابط على حركة رؤوس الأموال (Capital Controls) التي بقيت غير مُقنّنة منذ بداية الانهيار.
