إحياء الأسواق المالية بين خصخصة بورصة بيروت والترخيص لشركات جديدة

الأسواق المالية

خمس سنواتٍ عجافٍ محتها الأزمة المالية والنقدية من عمر الطامحين إلى الاستثمار في الأسواق المالية. بين العامين 2020 و2025، أُصيبت الهيئة الناظمة لهذه الأسواق بخللٍ مادي وتقني، كاد أن يتحول إلى خللٍ هيكلي مع التوجه الرسمي إلى حلّها. وعلى غرار سائر المؤسسات، هربت الألفة بين أعضاء هذه الهيئة من الشباك بعدما دخل الفقر من الباب العريض، واستحكم التعطيل في مفاصلها. فتعطلت، وعطّلت معها عشرات التراخيص، ونمت على جوانبها دكاكين التداول غير الشرعي. واختلط حابل الملاحقات «البوليسية» المبنية على عدم المعرفة الدقيقة بطريقة عمل الشركات المالية، بنابل العجز عن استكمال المراسيم التطبيقية لقانون الهيئة.

ظلّ وضع هيئة الأسواق المالية رماديًا حتى نهاية عام 2025. وقبل أن يطوي ذلك العام أيامه الأخيرة، صدر في تشرين الثاني مرسومٌ بتعيين ثلاثة خبراء في مجلس إدارة الهيئة، قاطعًا الشكّ باستمرار تعطيلها، ومؤكدًا أهمية وجودها، ومعطيًا الأسواق المالية عمومًا، والمستثمرين خصوصًا، أملًا بإعادة تفعيل دورها المحوري.

العزم على العمل

وجود هيئة قوية وقادرة للأسواق المالية يشكّل حافزًا مهمًا لاستقطاب رؤوس الأموال وتوجيهها نحو لبنان. وهذه الرساميل أساسية لتأمين التمويل المتوسط والطويل الأجل للدولة وشركات القطاع الخاص، ولا سيما في ظل «تعطل قنوات التمويل التقليدية عبر المصارف»، يقول نائب رئيس هيئة الأسواق المالية، الدكتور محمود جباعي.

الأسواق المالي
جباعي متحدثا إلى موقع LEBANON MATTERS

الوصول إلى هذه الغاية يتطلب «استعادة الثقة أولًا، واستكمال بقية الإجراءات القانونية التي تحمي المستثمرين ثانيًا، وتعزيز الرقابة ثالثًا، وإفساح المجال أمام الفرص الاستثمارية الجدية للقطاع الشرعي، مع مكافحة الأنشطة غير الشرعية وتبييض الأموال رابعًا»، يضيف جباعي، و«هذا ما عقدنا العزم على إتمامه فور تعييننا». و«قد بدأنا العمل عليه بخطوات حثيثة، وبمقاربة مختلفة في التعاطي مع السوق، تقوم على احترام القانون. فكل شركة تراعي الاعتبارات القانونية المطلوبة مرحّب بها تحت لواء هيئة الأسواق المالية، أما الشركات المخالفة فسنلاحقها ضمن الأطر المالية والقانونية».

الهيئة وبورصة بيروت

إضافة إلى هذه المهام الأربع الأساسية، تبرز مهمة خامسة لا تقل أهمية، تتمثل في ضرورة تطوير بورصة بيروت. فقانون إنشاء هيئة الأسواق المالية رقم 161/2011 نصّ بوضوح على ضرورة المبادرة إلى تعديل قانون البورصة الحالي، الذي يعود، في شكله ومضمونه والأساليب التي ينص عليها، إلى مرحلة الستينات. ولتحويلها إلى بورصة فاعلة تتلاءم مع المفاهيم والمعايير الحديثة لدور البورصات، «يجب استكمال مرسوم خصخصتها والحصول على إذن مباشر من وزارة المالية»، يقول جباعي. هذا على المدى المتوسط، فيما على المدى القريب «شكّلنا لجنة للعمل على إعادة التداول بالدولار النقدي بدلًا من اللولار، الذي تُقيَّم على أساسه أسهم الشركات المدرجة، وذلك تمهيدًا لاستثمار أوسع في الأسواق المالية ضمن بورصة بيروت».

اقتراب الترخيص للشركات الجديدة

لهيئة الأسواق المالية جانبان محوريان:

  • الأول، حماية المستثمرين عبر توفير الضمانات القانونية اللازمة.
  • والثاني، توفير منصة تمويلية للأسواق، تدعم النشاطين المالي والاقتصادي ضمن إطار قانوني واضح.

ولتحقيق هاتين الغايتين، ينتظر مجلس الهيئة الجديد مسار طويل من العمل لاستكمال المراسيم التطبيقية، ولا سيما تلك المتعلقة بإنشاء لجنة تفتيش تُعرف بـ«لجنة العقوبات»، ومحكمة متخصصة.

وإن كان إنجاز هذه الخطوات قد يتطلب بعض الوقت، فإن جذب الفرص التمويلية مرشح لأن يكون سريعًا، بل سريعًا جدًا، من خلال البت بطلبات التراخيص المقدمة إلى هيئة الأسواق المالية بعد منتصف هذا العام، بحسب جباعي، الذي يؤكد أن «كل شركة تستوفي الشروط القانونية ستحصل على الترخيص من دون أي منّة».

ويضيف: «هدفنا في نهاية المطاف توسيع حجم الشركات العاملة في السوق المالية، التي لا يتجاوز عددها حاليًا 60 شركة، تشكل المصارف أكثر من 80% منها، ورفع هذا العدد إلى أكثر من 120 شركة. ولهذا طلبنا من الشركات إعادة تقديم طلبات الترخيص، ومن لا يلتزم سيتم توقيفه، فيما ستُمنح التراخيص للشركات المستحقة بعد دراسة ملفاتها بدقة.

زيادة عدد الشركات المالية لا يحفّز الاقتصاد، ويؤمّن التمويل، ويزيد فرص العمل فحسب، بل «يرفد الهيئة أيضًا بالإيرادات التي نحن بأمسّ الحاجة إليها لاستكمال عملنا وتعزيز مواردنا من الرسوم، ويؤمن موارد وازنة لوزارة المالية».

أفكار كثيرة ومشاريع طموحة يحملها مجلس الخبراء الجديد في هيئة الأسواق المالية. ورغم ما يحظى به من دعم سياسي، ومساندة قوية من حاكم مصرف لبنان كريم سعيد، بصفته رئيس الهيئة، تبقى العبرة في نهاية المطاف بالتنفيذ. فما يمرّ به لبنان من حروب وظروف أمنية وسياسية واقتصادية معقدة، يضاعف صعوبة المهام ويجعل تنفيذها يتطلب كثيرًا من الوقت. ومع ذلك، يبقى الأمل قائمًا في إعادة إعطاء الهيئة دورها الحقيقي والأساسي، تمهيدًا لتطوير الأسواق المالية داخليًا، وانضمام لبنان إلى الأسواق المالية العربية، والاستفادة من تدفقات مالية كبيرة تُوظَّف في إعادة الإعمار، وتأهيل الاقتصاد، وتأمين ازدهاره على مختلف الصعد، بما يواكب التحولات الجارية في العالم.