مؤشرات نقدية تحتشد على أطراف “مضيق” سعر الصرف

سعر الصرف

منذ منتصف عام 2023، عمد أحد أكبر متاجر البيع بالتجزئة إلى رفع شاشة كبيرة عند مدخله، تعرض بـ«فخر» سعر الصرف عند 89,500 ليرة مقابل الدولار. دام الانبهار بهذا السعر فترة قصيرة، إذ كانت العيون تتعلّق به قبل أن يتحول إلى مشهد اعتيادي لا يجذب الأنظار مع مرور الوقت، حتى حلّت حرب 2026. فعادت التبدلات الطفيفة على هذه الشاشة، التي سجّلت انخفاضًا بنحو 200 ليرة، لتبلغ 89,700 ليرة مقابل الدولار، وتطرح تساؤلات عن مصير سعر الصرف ذهابًا وإيابًا.

تراجع التدفقات النقدية

الأكيد أن كمية النقد الأجنبي التي دخلت الاقتصاد منذ بداية العام كانت أقل بكثير مما كانت عليه في الفترة نفسها من العام الماضي. فقد تراجع الفائض في ميزان المدفوعات خلال الربع الأول إلى 1.6 مليار دولار، مقارنةً بـ5.4 مليارات دولار في عام 2025، وليس من المستبعد أن يعود ويتحوّل إلى عجز مع صدور النتائج النصفية لهذا العام.

من البديهي أن عدم تدفق النقد الأجنبي بكميات كبيرة إلى الاقتصاد يصعّب عملية شراء الدولارات مقابل بيع الليرات، المتأتية أساسًا من جباية الضرائب والرسوم، بهدف تغذية احتياطيات مصرف لبنان عبر الآلية المدروسة، نظريًا وتنفيذيًا، التي أثبتت فعاليتها طوال الفترة الماضية. وفي الحالة المعاكسة، يضطر مصرف لبنان إلى التدخل في السوق بائعًا الدولار لتلبية الطلب المتزايد عليه، ولا سيما لأغراض الاستيراد. إذ أظهرت الأرقام أن قيمة واردات لبنان خلال الشهرين الأولين من العام بلغت 3.8 مليارات دولار، بمعدل يفوق 1.8 مليار دولار شهريًا.

الضغط على النقد الصعب

المفارقة أن نقص الدولار في السوق لا يرتبط فقط بارتفاع الطلب على العملة الأجنبية من المواطنين والتجار، بل يعود أيضًا إلى سببين مباشرين قد لا يبدوان ظاهرين للعيان:

  • الأول، رفع سقف السحب بموجب التعميمين 166 و158 إلى 500 و1000 دولار على التوالي، إذ دفع مصرف لبنان من احتياطياته خلال شهري شباط وآذار نحو 425.6 مليون دولار، أي ما نسبته 88.2% من مجمل كلفة التعميمين التي بلغت 482.6 مليون دولار، فيما سددت المصارف 11.8% فقط، بقيمة قاربت 57 مليون دولار.

والمشكلة أن الجزء الأكبر من هذه المدفوعات يُخزَّن أو يُرحَّل إلى الخارج بدل أن يدخل الدورة الاقتصادية، ما يعني أنه يفاقم النقص في احتياطيات مصرف لبنان من جهة، ولا يتيح إعادة استعمال هذه الأموال داخل الاقتصاد من جهة ثانية.

وبقدر ما تُعدّ هذه الدفعات حقًا بديهيًا لأصحابها، فإن تسديدها من دون خطة اقتصادية واضحة ورؤية شاملة ضمن إطار مدروس يترك تداعيات سلبية على مجمل الوضع الاقتصادي.

وهذا ما حذّر منه كثير من الاقتصاديين سابقًا، إذ إن تسديد الودائع قبل إصلاح القطاع المصرفي واستعادة الثقة سيدفع المودعين إلى سحبها بالكامل، فيما تؤدي عودة الثقة إلى سحب الأموال بقدر الحاجة فقط، بما يمنع استنزاف العملة الصعبة ويحُول دون إعادة بناء القطاع المصرفي على قواعد سليمة.

  • الثاني، عودة بعض المصارف إلى التأخر في فتح اعتمادات التجارة الخارجية للتجار والمستوردين. فقد شكا عدد من التجار من عدم توافر النقد الأجنبي في المصارف، على الرغم من أن الإيداعات، سواء عبر شيكات الـ«فريش» أو بطاقات الاعتماد بالدولار أو الأموال النقدية الناتجة من المبيعات اليومية، تُدفع بالدولار النقدي.

ويتحدث بعض التجار عن احتمال عودة المصارف إلى شراء الدولار مباشرةً لصالح مصرف لبنان. كما يتخوفون من أن تؤدي هذه العملية إلى منافسة بين المصارف على شراء الدولارات، بما قد يدفع إلى ارتفاع سعر الصرف نتيجة شح توفره في السوق، على غرار ما كان يحصل خلال عامَي 2021 و2022. ويأتي رغم إثبا الآلية التي نسّقتها وزارة المالية مع مصرف لبنان لتعزيز الاحتياطيات نجاحها في إدارة السوق بقدر كبير من التوازن، بحسب تصريحات وزير المالية. وقد أسهمت هذه الآلية في الحد من المضاربات من دون أن تكلف الدولة أي أعباء، بل ساعدت أيضًا في الحد من تبييض الأموال، وتنظيم العمليات، وتعزيز الاحتياطيات.فلماذا يجري توسيع هذه الآلية، بعدما أثبتت نجاحها، وتعريضها للخطر؟

ضبط التوازن النقدي

تراجع التدفقات النقدية بالعملة الأجنبية مرحليًا لا يشكّل خطرًا كبيرًا على سعر الصرف أو على التوازنات الاقتصادية التي جرى ضبطها خلال الفترة الماضية، إذا انتهت الحرب قريبًا وعادت الدولة إلى إقرار وتنفيذ السياسات الإصلاحية. فقد سبق أن تراجعت احتياطيات النقد الأجنبي بنسبة ملحوظة بين أيلول وتشرين الثاني 2024، بما يفوق 450 مليون دولار، على إثر تفاقم الحرب الإسرائيلية، إلا أن الاقتصاد سرعان ما استعاد بعض توازنه مع الدفعة الإيجابية الناتجة من انتخاب رئيس للجمهورية مطلع عام 2025، وتشكيل حكومة بسرعة، وبدء العمل الفعلي على الإصلاحات الاقتصادية.

إلا أن ما يثير القلق هذه المرة لا يقتصر على احتمال إطالة أمد الحرب فحسب، بل يتعداه إلى عدم إمكانية التوصل إلى توافق داخلي حول الإصلاحات النقدية والمصرفية، وبالتالي تعثر الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، نتيجة عاملين أساسيين:

  • الأول، إعادة تشديد صندوق النقد الدولي على ضرورة عدم تحميل الدولة أي خسائر في قانون الفجوة المالية، واعتماد ترتيب للتوزيع على أساس: المصارف أولًا، ثم المودعون ثانيًا، وهو ما سيلاقي رفضًا مطلقًا من المصارف، وكذلك من مصرف لبنان، الذي سبق أن سجّل على الدولة دينًا يتجاوز 16.5 مليار دولار، معتبرًا أن الدين الفعلي عليها أكبر من ذلك بكثير.
  • الثاني، طلب تعديل قانون إعادة هيكلة المصارف بشكل يقلل من تركز الصلاحيات في يد مصرف لبنان، وهو ما سيواجه أيضًا رفضًا كبيرًا، نظرًا لما يعتبره المعنيون مسًّا بصلاحيات المصرف المركزي وحاكمه، وبخلاف ما ينص عليه قانون النقد والتسليف.

هذا فيما يخص الشق القانوني الإصلاحي، أما فيما يتعلق بالأمور التنفيذية فقد ظهرت مؤخرًا بعض المؤشررات التطبيقية، ومنها:

  • إصدار مصرف لبنان التعميم الوسيط رقم 764، المتعلق بإعفاءات استثنائية من التوظيفات الإلزامية للمصارف، والمرفق بالتعميم الأساسي رقم 150، والذي يسمح للمصارف بتوظيف إلزامي بنسبة 100% من قيمة الأموال النقدية بالعملة الأجنبية المتوافرة لديها لدى مصرف لبنان.
  • العمل على طلب خط ائتمان مع الخزانة الأميركية (SWIFT Line) مقابل موجودات بالعملة الصعبة، بهدف توفير السيولة النقدية بالدولار.
  • الإجازة للمصارف بتجاوز الحد الأدنى لهامش الحفاظ على الأموال الخاصة بنسبة 2.5% بين عامَي 2023 و2026، مما يعني، إضافة إلى تخفيف الحاجة إلى زيادة الرساميل بسرعة، السماح لها باستخدام جزء من رساميلها لمواصلة التشغيل.

إزاء كل هذه التطورات، تبرز نقطة إيجابية واحدة تتمثل في كون الأزمة تمثل اختبار ضغط للسياسة الشبيهة بمجلس النقد. وإذا كانت تدل على شيء، فهي تدل على إمكانية الانتقال سريعًا إلى إصلاح الإطار العام فور انتهاء الحرب، وعدم طباعة الليرة إلا بقدر ما يدخل إلى الاقتصاد من دولارات، بما يحافظ على استقرار سعر الصرف ويخفف من حدة الأزمة النقدية ومن تقلبات سعر الصرف. والمهم من الآن وحتى ذلك الوقت ألا تفقد السياسات المالية والنقدية زمام المبادرة. وان تعود إلى الخطوات الأساسية عل الصعيدين المالي والنقدي التي ساهمت خلال الفترة الماضية في تحقيق الاستقرار.