في الوقت الذي تُبقي فيه وكالات التصنيف الائتماني العالمية لبنان ضمن خانة “التعثر الانتقائي” عن سداد ديونه بـ العملة الأجنبية، “اليوروبوندز“، تشهد أسعار هذه السندات ارتفاعات ملحوظة. فبعد ملامستها القاع عند 6 سنتات للدولار عام 2022، عادت لتلامس 30 سنتاً للدولار بعد أربع سنوات. المفارقة أن هذا الارتفاع لا يأتي مترافقاً مع أي مبادرة فعلية لإعادة هيكلة الديون، ولا نتيجة اكتشاف ثروة باطنية تنتشل البلد من براثن الانهيارات المتواصلة. بل يأتي في وقت تحذّر فيه وكالات التصنيف نفسها من إمكانية تعثر الحكومة في سداد ديونها بالعملة المحلية.
شهدت أسعار سندات الدين بـ العملة الأجنبية، “اليوروبوندز”، ارتفاعاً ملحوظاً بالتزامن مع عودة الإمارات إلى لبنان من البوابة الاقتصادية، نهاية الشهر الماضي. فارتفع سعر السند بنسبة 1.13% خلال الأسبوع المنتهي في 27 آب، ليغلق عند 29.69 سنتاً للدولار. أما على المستوى السنوي، فقد سجلت السندات ارتفاعات كبيرة بلغت 23.25% منذ بداية العام.
التعثر الإنتقائي
وتزامنت هذه الارتفاعات مع إصدار وكالة “ستاندرد آند بورز” للتصنيف الائتماني تقييماً جديداً للديون الحكومية، أبقت بموجبه تصنيف لبنان بـ العملة الأجنبية عند مستوى التعثر الانتقائي (SD)، بسبب استمرار التخلف عن سداد اليوروبوندز. في المقابل، حافظت الوكالة على تصنيف الديون المحلية بالليرة اللبنانية عند CCC+، لكنها حذرت من احتمال خفضه إذا ارتفعت مخاطر إعادة هيكلة الدين المحلي، مشيرةً إلى أن ضغوط السيولة، أو تعقيدات إعادة الإعمار، أو الوضع السياسي، قد تزيد مخاطر عدم سداد الديون المحلية في مواعيدها وبالكامل. ويُعد هذا التحذير من “ستاندرد آند بورز” مستجداً، ولكنه ليس جديداً. فقد سبق لوكالة “فيتش” أن صنّفت الديون اللبنانية بالعملة المحلية عند مستوى التخلف المقيد (RD) عام 2023.
أسعار السندات
السؤال الذي يطرح نفسه: ما الذي يؤثر فعلياً في أسعار سندات الدين بـ العملة الأجنبية، التي تتجاوز قيمتها، مع فوائدها، 40 مليار دولار؟ ولماذا ترتفع قيمتها في ظل الانكماش الاقتصادي، والتخبط السياسي والأمني، ووقوع لبنان تحت وطأة الحرب؟
كأي سوق أو أصل مالي، تتأثر أسعار “اليوروبوندز” بشكل أساسي بعوامل العرض والطلب. فمن جهة الطلب، يتأثر السوق بشكل رئيسي بمصير الودائع في المصارف التجارية اللبنانية، بحسب راشد. ويقول إن “كلما نصّت خطط توزيع الخسائر على شطب الودائع، كلما استبشر حملة السندات خيراً بإمكانية استرداد ديونهم، نظراً لانخفاض الأعباء المترتبة على الدولة”.
أما من جهة العرض، فإن العديد من حملة السندات، ومن بينهم المصارف التجارية اللبنانية، يعملون على تسييل ما يحملونه من سندات، أو جزء منها، لتوفير السيولة. وهذا ما شهدناه بوتيرة متصاعدة منذ عام 2020، حيث تراجعت حصة المصارف من اليوروبوندز وصولاً إلى نحو 2.9 مليار دولار. في المقابل، “يعمد المضاربون الذين اشتروا السندات بأسعار منخفضة خلال الفترة الماضية إلى بيعها عندما ترتفع الأسعار، بهدف تحقيق الأرباح”، يضيف راشد.
كلفة التسوية ترتفع
بقدر ما يعطي ارتفاع أسعار سندات الدين أملاً إيجابياً بإمكانية استعادة الاقتصاد عافيته وتحسن الثقة به، إلا أنه قد يصعّب في المقابل مفاوضات الدولة مع حاملي الدين، ويرفع كلفة التسوية. فمن يملك سنداً تبلغ قيمته الفعلية اليوم 30 سنتاً للدولار، لن يكون مستعداً لقبول تسوية بأقل من ذلك، في حين كان بإمكان الدولة، نظرياً، شراء كامل ديونها في عام 2022 بنحو 1.5 مليار دولار، عندما تراوح سعر السند بين 5 و6 سنتات للدولار. أما التسوية وفق أسعار اليوم، فقد تكلف الدولة ما لا يقل عن 10 مليارات دولار. ويرى راشد أن هذا الارتفاع يعكس طلب الدائنين على استرداد أكبر قدر ممكن من قيمة سنداتهم، انطلاقاً من السعر المتداول في السوق مقارنة بالقيمة الاسمية الأصلية للسند.
العوامل الإقليمية
يضاف إلى هذه العوامل تأثر أسعار السندات بمؤشرات التصعيد أو التهدئة في المنطقة. فعندما تظهر إشارات إيجابية بشأن المحادثات الأميركية-الإيرانية، أو تلوح في الأفق تسويات إقليمية، ترتفع أسعار “اليوروبوندز”. ذلك أن الأسواق ترى في أي تقارب أو حلحلة سياسية فرصة لتمهيد الطريق أمام لبنان للخروج من أزمته المستمرة.
المخاطر على الديون بالليرة
إن كان التصنيف الإئتماني للديون بالعملة الأجنبية لم يتغير منذ آذار 2020 تاريخ تخلف لبنان عن السداد، فإن تخفيض التصنيف بالديون المحلية يعد أمرا بالغ السلبية. فـ “ستاندرد آند بورز” ترى أن النظرة المستقبلية المستقرة للتصنيف طويل الأجل بالعملة المحلية عند “CCC+”، ناتجة عن التوازن بين استمرار الإصلاحات الاقتصادية من جهة، والتحديات الكبيرة في مجال السياسات من جهة أخرى. ومن هذه التحديات تبرز المخاطر الأمنية، وضعف النمو الاقتصادي، والقيود التي تواجه المالية العامة، والحاجة الكبيرة إلى تمويل إعادة الإعمار. الوكالة التي تتوقع استثناء الدين الحكومي المقوّم بالليرة من أي خطة لإعادة هيكلة الدين العام، فإن أي احتمال معاكس سيدفعها إلى تخفّيض التصنيف بالعملة المحلية خلال الأشهر الـ12 المقبلة. كما يمكن أن تخفض الوكالة التصنيف بالعملة المحلية إذا ارتفعت، خلافاً لتوقعاتها الحالية، احتمالات عدم قيام الحكومة بسداد ديونها التجارية المقوّمة بالليرة اللبنانية في موعدها وبالكامل. وقد يحدث ذلك، على سبيل المثال، إذا أدت إعادة ترتيب أولويات الإنفاق لتلبية احتياجات إعادة الإعمار إلى الضغط على السيولة المتاحة للحكومة، أو إذا ظهرت أوجه قصور إدارية، في ظل المشهد السياسي الداخلي شديد التعقيد.
في المقابل، تقول S&P إنها قد ترفع التصنيف بالعملة المحلية إذا رصدت تقدماً في الإصلاحات التي تعالج الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد، بما يمهّد لتحقيق نتائج مالية أفضل، وإنعاش القطاع المالي، وعودة الاقتصاد إلى مسار التعافي. وفي مثل هذا السيناريو، من المرجح أن تتراجع القيود المالية مع تحسّن قدرة لبنان على الوصول إلى التمويل الخارجي الميسّر.
