لا يختلف اثنان على أن الوضع المعيشي في لبنان ضاغط. ولا نضيف جديداً إن قارنا صمود الأسر بالحد الأدنى الرسمي المتدني للأجور، وخلصنا إلى التعجب من كيفية تأمين العائلات متطلباتها الحياتية المكلفة. ولا نجهل البيانات الأممية التي لم تفتأ تصدر إنذاراتها منذ سنوات بشأن تدهور الأمن الغذائي، محذّرةً من المجاعة.
هذه اللاءات الثلاثة معروفة، وإن كان الشق الأكبر منها نظرياً، ولم يتغير جذرياً رغم كل التهويل. أما المجهول، أو بالأصح ما يجري تجاهله، فهو أن رفع الحد الأدنى الرسمي للأجور قد يفاقم الفقر والعوز بدلاً من الحدّ منهما، إذا ظللنا نتجاهل الإصلاح، لا في سياسة الأجور فحسب، بل في مكمن الداء المتمثل في القطاع العام.
ما دخل هذا بذاك؟
انطلاقاً من أحدث دراسة أجرتها “الدولية للمعلومات”، تبيّن أن الحد الأدنى للأجور الذي يتيح لأسرة مؤلفة من أربعة أفراد تأمين متطلباتها المعيشية بالكفاف، يجب أن يبلغ 1331 دولاراً شهرياً.
في المقابل، لا يكفي الحد الأدنى للأجور المعتمد في لبنان، والبالغ 312 دولاراً، لتغطية كلفة “سلة الحد الأدنى للإنفاق للبقاء على قيد الحياة» (SMEB)، التي تشمل الحد الأدنى من السلع والخدمات الأساسية اللازمة للبقاء. فبحسب تقرير “التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي” (IPC)، بلغت كلفة هذه السلة نحو 509 دولارات شهرياً لأسرة مؤلفة من خمسة أفراد، في أيلول 2025؛ أي قبل الارتفاع الكبير في أسعار مختلف السلع والمنتجات الذي بدأ في آذار 2026. وتشمل هذه الكلفة الغذاء والاحتياجات الأساسية غير الغذائية.
وهذا يعني أن الحد الأدنى للأجور المعتمد في لبنان يقل بنحو 39% عن كلفة السلة المذكورة، وفقاً للأرقام الواردة أعلاه، ما يسلّط الضوء على الفجوة بين الأجر الرسمي وكلفة تأمين الحد الأدنى من متطلبات البقاء.
مخاطر رفع الحد الأدنى
وعليه، فإن الحل الذي انتشر كالنار في الهشيم للخروج من براثن الفقر هو رفع الحد الأدنى للأجور. وبمعزل عن مبدأ التعويل على الحد الأدنى للأجور، الذي عفا عليه الزمن، لتصحيح القدرة الشرائية، فإن رفعه في لبنان، أياً تكن قيمته، محفوف بثلاثة مخاطر رئيسية.
- يتمثل الخطر الأول والأكبر في احتمال إفلاس كثير من المؤسسات نتيجة عجزها عن تسديد تعويضات نهاية الخدمة.
فبموجب قانون التقاعد والحماية الاجتماعية، يتوجب على مؤسسات القطاع الخاص إجراء تسوية لتعويضات نهاية الخدمة المستحقة لموظفيها، بما يعني تصفية هذه التعويضات ووضعها في حساب استثماري خلال عامين من دخول القانون حيز التنفيذ.
وتُقدَّر الالتزامات التي ستترتب على المؤسسات بما لا يقل عن 8 مليارات دولار، استناداً إلى الحد الأدنى للأجور المحدد حالياً بـ28 مليون ليرة. وتجادل المؤسسات بأنها سبق أن اقتطعت هذه المبالغ على أساس سعر صرف 1500 ليرة للدولار، وأودعتها في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي لتغطية تعويضات موظفيها. لكن، مع خسارة العملة نحو 98% من قيمتها، تبخرت القيمة الفعلية لهذه الأموال. وبناءً عليه، ترى المؤسسات أن المشكلة ليست من صنعها، وأنه من غير المنطقي تحميلها هذه الأكلاف مرة أخرى.
إذا كانت الالتزامات التي ستترتب على المؤسسات تُقدَّر ببضعة مليارات من الدولارات، في حدها الأدنى، عند احتسابها على أساس حد أدنى للأجور يبلغ 28 مليون ليرة، فإنها قد ترتفع إلى عشرات المليارات عند رفع الحد الأدنى إلى 120 مليون ليرة. ويعود ذلك إلى أن التعويض النهائي يُحتسب على أساس الراتب الأخير المصرَّح عنه، مضروباً بعدد سنوات الخدمة. ومن شأن هذه الأعباء أن تؤدي إلى إفلاس عدد كبير من المؤسسات، وتشريد عمالها وموظفيها، وارتفاع معدلات البطالة إلى مستويات قياسية.
- أما الخطر الثاني، الذي لا يقل أهمية عن الأول، فيتمثل في مطالبة القطاع العام بزيادة الرواتب بنسبة مماثلة، وإدخال هذه الزيادة في صلب الراتب.
إذا كانت الرواتب، بعد زيادتها إلى 19 ضعفاً مما كانت عليه قبل عام 2019، تكلّف الدولة نحو 56% من نفقاتها في موازنة 2027، تمولها بشكل أساسي من الضرائب. فإن أي زيادة إضافية كبيرة عليها ستفرض أعباء مالية هائلة، قد تستدعي زيادة الضرائب لتأمين التمويل اللازم. وستنعكس هذه الأعباء سلباً على القطاع الخاص النظامي والمواطنين، لتفضي إلى نتيجة لا تقل سوءاً عن تلك التي قد تنجم عن الخطر الأول.
- أما الخطر الثالث، فيتمثل في تحليق الأسعار، مع عدم استبعاد عودة التضخم إلى خانة الأرقام الثلاثة (Triple-digit inflation)، وما قد يرافق ذلك من ضغوط هائلة على سعر الصرف.
من أبجديات الاقتصاد أن زيادة المداخيل، إذا لم تقابلها زيادة في الإنتاجية والإنتاج، قد تؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم. فكيف إذا كان الاقتصاد يعاني من الركود التضخمي، أي ارتفاع الأسعار بالتزامن مع تباطؤ النمو أو انكماشه؟ علماً أن الناتج المحلي الإجمالي لا يتجاوز 30 مليار دولار، وأن التوقعات تشير إلى احتمال انكماشه بأكثر من 6% هذا العام.
فوق ذلك، يعاني الاقتصاد اللبناني من اختلالات بنيوية تجعل ارتفاع الأسعار وتفاقم الضغوط النقدية احتمالين قائمين، لا سيما في ظل الاعتماد الكبير على الاستيراد وضعف الإنتاج المحلي.
بناءً على هذه الأسباب، فإن رفع الحد الأدنى للأجور، من دون تنفيذ الإصلاحات البنيوية الأساسية في القطاعين العام والخاص، قد تكون له تداعيات كارثية. فقد تتراجع القدرة الشرائية أكثر، وتتسع البطالة، ويزداد الفقر، بما قد يدفع البلاد نحو سيناريوهات شبيهة بما شهدته دول عانت من انهيارات نقدية حادة، مثل زيمبابوي في الماضي وإيران في السنوات الأخيرة؛ فهل هذا فعلا ما نريده؟!
