“التجربة الدنماركية” في مقابل لغة الحد الأدنى للأجور “الخشبية”

الحد الأدنى للأجور

أزمة العمل في لبنان لا تنحصر في المشكلة بحد ذاتها، بل في كيفية مقاربة الحلول. ففيما تكمن المشكلة في أن العمال في لبنان يعيشون ليعملوا، تُعلَّب كل الحلول على قياس رفع الحد الأدنى للأجور وزيادة التقديمات الاجتماعية.

مع الأول من أيار من كل عام، تعود الأرقام السوداء دفعةً واحدة. بصمات عار، على مدّ العين والنظر، تطبع واقع العمل في لبنان: ساعات عمل طويلة، بطالة مرتفعة، أجور متهاودة، غياب للتأمينات الصحية والاجتماعية، قانون عمل متخلّف، ونقابات تمثّل السلطة وأصحاب العمل أكثر مما تمثّل العمال… وهلمّ جرّ.سياسات عامة وخاصة اتُّخذت عن سابق إصرار وتصميم، أعادت مفهوم العمل إلى زمن العبودية، حيث ينفق العمال مداخيلهم ليتمكنوا من الاستمرار في العمل. فكما كان يُؤمَّن المأكل والمشرب للعبيد ليتمكنوا من العمل، يعمل عمال لبنان للغاية نفسها، ولكن مع بعض بهرجات الحياة الكمالية.

المقاربة الخاطئة للحلول

خلافًا لما يؤمن به المدافعون عن حقوق العمال، فإنه في الظروف التي يمر بها لبنان، فإن أي دفع نحو زيادة الحد الأدنى للأجور ورفع التقديمات، باعتبارهما المخلّصين لمشاكل العمال، سيزيد من مأساتهم، مهما كبر حجمهما. ليس في الأمر تخريف أو تهريج، بل هو واقع بسيط. فقد انكمش الاقتصاد، بشكل عام، خلال السنوات الأخيرة بنسبة تزيد على 40%، إذ انخفض الناتج من حدود 54 مليار دولار في عام 2019 إلى 31.5 مليارًا في نهاية العام الماضي.

لم تتخطَّ الاستثمارات الأجنبية المباشرة في مشاريع جديدة، خلال السنوات الأربع الماضية، 30 مليون دولار، وقد بلغت في عام 2024 نحو 3 ملايين و400 ألف دولار فقط.

يُظهر مؤشر مديري المشتريات في القطاع الخاص (PMI)، خلال شهر آذار، أدنى مستوى له في 17 شهرًا، مع تضرر النشاط التجاري جراء الحرب. وتراجع المؤشر، الذي يقيس صحة القطاع الخاص، إلى 47.4 نقطة، بعد أن كان 51.2 نقطة في شباط. وتُظهر القراءة فوق 50 توسعًا اقتصاديًا، بينما تشير القراءة دون 50 إلى انكماش. ويُعد هذا المؤشر استباقيًا مهمًا لاتجاهات الاقتصاد المستقبلية على المدى القريب.

تعاني مختلف القطاعات الإنتاجية والخدماتية من ارتفاع هائل في الأكلاف التشغيلية، نتيجة انعدام التنافسية في قطاعات المياه والكهرباء والاتصالات، وتقديم مؤسسات الدولة هذه الخدمات بأسوأ نوعية وأعلى كلفة.

القطاعات التي لطالما ولّدت الإيرادات في لبنان، وفي مقدمتها قطاعا المصارف والسياحة، معطّلة. فيما خسر القطاع الزراعي، الضعيف أصلًا، أكثر من 25% من أراضيه جراء الحرب المستمرة. وأُقفل نحو 20% من المصانع. وتُقدَّر نسبة الإقفالات الظرفية في بقية القطاعات بنسبة موازية، وقد يتحول الإقفال إلى دائم إذا طالت الحرب وتوسعت، ولم تبدأ الإصلاحات الجوهرية. وتشهد مختلف القطاعات الإنتاجية هجرة إلى الدول المجاورة، إما لأسباب أمنية، وإما للحفاظ على العلاقة مع الأسواق العربية الأساسية التي انقطعت عن لبنان في السنوات الأخيرة.

مخاطر رفع الحد الأدنى للأجور

إزاء هذا الواقع، فإن أي زيادة في الحد الأدنى للأجور قد تنعكس تحسنًا مرحليًا في ظروف العمال، قبل أن يلتهمها التضخم، لتعود وترتد سلبًا على واقع العمل والعمال سريعًا. إذ إنها ستزيد البطالة، إما نتيجة تفضيل المؤسسات توزيع المداخيل على عدد أقل من العاملين، وإما بسبب الإقفال تحت ضغط عدم القدرة على تحمّل الزيادة. فنكون بذلك ندور في الحلقة المفرغة نفسها التي أدت إلى الواقع المرير الذي وصلنا إليه.

والأمر نفسه ينسحب على التقديمات الاجتماعية، وأولها احتساب التعويضات في الضمان الاجتماعي على أساس الأجور الحقيقية، وليس المصرّح بها رسميًا. وبرأي معظم أصحاب العمل، فإن هذه الآلية قد تؤدي إلى إفلاس شركات وإقفالها نهائيًا، من دون القدرة على تأمين المبالغ اللازمة لدفع التعويضات بمفعول رجعي.

ما تقدم ليس تبريرًا للقطاع الخاص لعدم زيادة الأجور، ولا جلدًا للذات وذوات الموظفين والعمال على حساب تمتع أصحاب العمل بالثروات، بل هو دعوة إلى فتح النقاش على مصراعيه للخروج من الخطاب الخشبي المرتبط بزيادة الحد الأدنى للأجور، نحو رحاب أفكار خلاقة وعملية، تضمن أن يكون العمل لائقًا، ويحفظ كرامة العيش للعامل وأسرته، ويؤمّن الشعور بالسعادة معنويًا، والقدرة على الادخار ماديًا.

ومن بين هذه الأفكار، تخطي فكرة الحد الأدنى للأجور بصيغتها الخشبية، والانتقال إلى مفهوم الاتفاق على الراتب بين الموظف ورب العمل في كل قطاع على حدة، على غرار التجربة الدنماركية الناجحة. فهذه الآلية، القائمة على احتكاك قوى العرض والطلب في السوق، ضمنت لعمال الدنمارك متوسط أجور يُعد من الأعلى عالميًا، لا يتدنى عن 2500 دولار، ووضعتها في مصاف أكثر الدول رفاهًا، تقديرًا لجهود العمل ومكافأة لها عبر المداخيل والتقديمات وساعات العمل والشعور بالسعادة.

كيفية تحديد المداخيل في الدنمارك

لا يوجد في الدنمارك حد أدنى وطني للأجور محدد بموجب القانون. بدلًا من ذلك، يتم تحديد الحد الأدنى للأجور من خلال اتفاقيات المفاوضة الجماعية على مستوى الفروع أو القطاعات، والتي تغطي نحو 80% من القوى العاملة. ويُسترشد في تحديد الأجور بالتوازن بين تكاليف العمالة والقدرة التنافسية الدولية، كما تتأثر المفاوضات بتوقعات التضخم الأساسي ونمو الأجور الحقيقية.

تُدار هذه العملية من قبل جمعيات أصحاب العمل الرئيسية، وعلى رأسها اتحاد أصحاب العمل الدنماركي (DA)، والنقابات العمالية بقيادة الاتحاد الدنماركي للنقابات العمالية (FH). ويتم تحديث الاتفاقيات عادة كل سنتين إلى ثلاث سنوات. وعلى سبيل المثال، نال القطاع الصناعي وقطاع الخدمات (التجزئة) زيادات شهرية متدرجة، بمعدل 561 كرونة دنماركية (82 دولارا) شهريًا، على أن يُعمَّم هذا النظام حتى عام 2028.

الاختلافات القطاعية وتأثيرها على الرواتب وتكاليف المعيشة

على الرغم من عدم وجود حد أدنى وطني للأجور في الدنمارك، إلا أن بعض القطاعات وفئات العمل تشهد تباينات، تبعًا لمستويات المهارة والطلب على العمالة والبدلات التنظيمية. ويلتزم أصحاب العمل في القطاعات ذات الطلب المرتفع بمقارنة الرواتب بمعدلات السوق، وليس فقط بالتعويض القانوني، لجذب المرشحين المؤهلين. وغالبًا ما يتطلب توظيف أفضل المواهب التقنية اعتماد نهج تنافسي في السوق.

وتُعد وظائف تقنية المعلومات للمبتدئين من بين الأعلى أجرًا في بداية المسيرة المهنية. فعلى سبيل المثال، يبدأ المطورون المبتدئون في كوبنهاغن عادة براتب إجمالي يتراوح بين 38,000 و45,000 كرونة دنماركية (7200 دولارا) شهريًا. في المقابل، يبدأ عمال خطوط التجميع ذوو المهارات المتدنية برواتب إجمالية أساسية تتراوح بين 20,000 و24,000 كرونة دنماركية (3600 دولارا) شهريًا. ويتقاضى الفنيون المتخصصون في قطاعي السيارات والروبوتات رواتب تتجاوز 33,000 كرونة دنماركية (5000 دولارا) شهريًا.

ويتراوح الراتب الأساسي للموظفين المبتدئين (كالنوادل وعمال النظافة) بين 20,600 و22,000 كرونة دنماركية شهريًا. ونظرًا لنقص العمالة، يقدم العديد من أصحاب العمل في قطاع الضيافة مكافآت إضافية للاحتفاظ بالموظفين.

القطاع العام

أما في ما يخص القطاع العام، فتخضع الرواتب في قطاعات الرعاية الصحية والتعليم والإدارة لأنظمة صارمة بموجب اتفاقيات العمل الجماعية. وقد تم تطبيق زيادات عامة في العقود الجديدة لعام 2026، حيث تراوحت الرواتب الإجمالية المبدئية للممرضين والمعلمين بين 28,000 و35,000 كرونة دنماركية (5000 دولارا) شهريًا، وذلك بحسب البلدية ومستوى الخبرة الوظيفية.

وينبغي على أصحاب العمل مقارنة رواتبهم برواتب نظرائهم في القطاع نفسه، للحفاظ على قدرتهم التنافسية وتجنب دوران الموظفين، لا سيما في القطاعات ذات الطلب المرتفع.

المتدربون والمتدربون الداخليون

يجوز قانونًا دفع أجور مخفضة للمتدربين، ما يشجع الشركات على توفير فرص عمل للمبتدئين مع الالتزام بالقوانين. وتُحتسب الأجور تناسبيًا بناءً على الأجر بالساعة المنصوص عليه في اتفاقيات المفاوضة الجماعية ذات الصلة. كما يجب أن تتضمن العقود “بنودًا مرنة” إذا طلب صاحب العمل مرونة تتجاوز ساعات العمل المحددة، وغالبًا ما يتطلب ذلك دفع علاوات عن الساعات الإضافية.

تحفيز النمو الاقتصادي

إن غياب الحد الأدنى الموحد للأجور بين مختلف القطاعات، وكذلك بين القطاعين العام والخاص، يحفّز المنافسة ويرفع المهارات ويعزز النمو الاقتصادي. وذلك خلافًا لما هو معمول به في العديد من البلدان، ومنها لبنان، حيث لا يقتصر الأمر على حد أدنى موحد للأجور في القطاع الخاص، بغض النظر عن حجمه ومستوى مهارة الأفراد وإنتاجيتهم، بل يمتد إلى توحيد التشريع بينه وبين القطاع العام، بحيث يُفرض رفع أجور المعلمين في القطاع العام على القطاع الخاص أيضًا، وهو ما يتناقض مع أبسط قواعد السوق.

إن التحرر من الحد الأدنى للأجور يتيح تطور القطاعات غير المزدهرة، إذ تبدأ هذه القطاعات بأجور أقل، ما يشجع على الاستثمار فيها وتطويرها، وبالتالي يرفع الطلب عليها لاحقًا، ويفتح المجال أمام التفاوض على أجور أعلى مع النقابات لتحسين دخول العمال إليها.

ومن حسنات هذه الآلية أنها ترفع أجور العمال تلقائيًا، ومن دون منّة من أحد، لكنها تتطلب وجود نقابات فاعلة وقوية، لا شكلية كما في لبنان، حيث ترتهن في كثير من الأحيان لأصحاب العمل أكثر مما تمثل العمال. وهذا يستوجب، أساسًا، وجود نقابات مستقلة وقوية في كل قطاع، غير تابعة لأحزاب السلطة التي غالبًا ما تمتلك الأعمال في لبنان.

بدلًا من انشغال النقابات بالشعارات الخشبية لرفع الحد الأدنى للأجور، ينبغي لها تنظيم صفوفها داخل كل قطاع، لتحسين أوضاع العمال وفق نهج عملي قائم على التفاوض والتحصيل، المشهور محليا بـ “خذ وطالب”.

المطالبة الكلاسيكية برفع الحد الأدنى للأجور لا تقضي على التنافسية في سوق العمل، بل تضغط على القطاعات وتحدّ من نمو الاقتصاد. والأسوأ أنها تُعمِّم الأجور المنخفضة وفقًا لمبدأ المساواة بين العمال، فيما يمكن تحسين ظروفهم قطاعيًا استنادًا إلى الإنتاجية ونمو كل قطاع على حدة. وطالما تُدار الأمور بهذه العقلية التقليدية، سيبقى عمال لبنان رهينة أجور منخفضة، ونقابات تابعة للسلطة، واقتصاد يتراجع عامًا بعد عام.