إقرار موازنة 2026 و”تفخيخها” بوعد الإنفاق من خارجها

موازنة 2026

أقرّ البرلمان اللبناني موازنة العام 2026 بأغلبية 59 نائبًا، مقابل 34 معارضًا، وامتناع 11 نائبًا عن التصويت. وصوّتت كتلتا حركة أمل وحزب الله، وكتلة اللقاء الديمقراطي، وعدد من النواب المستقلين بالموافقة. في المقابل، صوّتت كتلة القوات اللبنانية وكتلة التيار الوطني الحر ضد مشروع الموازنة، واختار نواب حزب الكتائب اللبنانية وبعض النواب الآخرين الامتناع عن التصويت.

على مدار الأيام الثلاثة التي سبقت الإقرار، قدّم النواب، حتى الذين صوّتوا في النهاية بالموافقة، قراءات نقدية لمشروع قانون الموازنة تملأ مجلدات. خطابات اختلفت على الكثير من الأمور، إلا أنها اتفقت على ما كان يجب أن تختلف عليه. فالجميع أصرّ على زيادة الإيرادات بما يسمح بالتوسع في النفقات، واقتطاع حصة منها لإرضاء قاعدته الشعبية، وتذخير سلاح الاستزلام تحضيرًا للانتخابات النيابية، ولم يتطرّق أحد إلى تخفيض النفقات المتضخمة على القطاع العام لعدم “شعبويتها”.

التوسع في الإنفاق

البعض تفاخر بزيادة حصة مجلس الجنوب والهيئة العليا للإغاثة إلى 8000 مليار ليرة، ورفع المبلغ من أقل من 1 في المئة من مجمل الإنفاق العام إلى نحو 1.6 في المئة. وهذا الرقم، الذي يظلّ دون 100 مليون دولار، يمثل إرهاقًا للموازنة وضغطًا على دافعي الضرائب، في وقت يبقى فيه أعجز من بناء حي سكني أو تأمين أبسط متطلبات من تهدمت منازلهم، وفقدوا أشغالهم، وتهجّروا من قراهم.

البعض الآخر ركب موجة زيادة الرواتب للقطاع العام، واستعجل التعهد بها حتى قبل دراسة الأثر المالي. فيما أجمع الكل، بشكل أو بآخر، على زيادة التقديمات الاجتماعية، والتغطية الصحية، والمساعدات الإنمائية.

لحس المبرد

الحاجات الإنمائية والتنموية الكثيرة لبلد أنهكته الأزمة الاقتصادية، وتعاقبت عليه الحروب والاختلالات الأمنية، لا تنتهي. ومن أبسط حقوق المواطنين عامة، والموظفين خاصة، المطالبة بتحسين أوضاعهم وزيادة مداخيلهم. إنما في المقابل، فإن العودة إلى الإنفاق المفتوح وغير المدروس، والذي يسبق تحقيق الإصلاحات الجوهرية في موازنة 2026، يشبه “لحس المبرد”. فالطعم الدافئ لزيادة الرواتب والمشاريع لن يكون آنيًا فحسب، إنما سيُذوّب الاقتصاد، ويترك البلد من دون موارد، وعرضة للكثير من الاختلالات البنيوية؛ ليس أقلها أهمية تدهور سعر الصرف. وبالتالي، ما تكون قد أقرّته الحكومة بيسراها من إنفاق “بلحظة تخلّ”، على حدّ وصف وزير المالية ياسين جابر، ستأخذه في يمناها: إما مزيدًا من الضرائب والرسوم، وإما تدهورًا بسعر الصرف والعودة إلى تضخم يمتص كل الزيادات.

ما كان يجب أن يبحث عنه النواب في موازنة 2026 ليس زيادة الإيرادات، من المصادر الظاهرة للعيان أو تلك المستترة خلف المحميات السياسية ـ وما أكثرها ـ إنما تخفيض النفقات. فمن أصل إنفاق مقدّر بـ 6 مليارات دولار، يذهب منها 4.5 مليارات دولار على الرواتب والأجور لموظفي القطاع العام، والتقديمات الاجتماعية، وإيجارات وصيانة المباني التي يستخدمونها، وتزويدها بالاحتياجات اللوجستية.

وفي مقابل هذا الإنفاق الكبير، تستحصل الخزينة على نحو مليار “يتيم” كعوائد من مؤسساتها المنتشرة على مدّ العين والنظر، ما يضطرها إلى تعويض الخمسة مليارات المتبقية من الضرائب غير المباشرة، وتحديدًا على القيمة المضافة، والرسوم الجمركية، والرسوم على المعاملات والمؤسسات، وكل ما يخطر في البال.

التمويل بالضرائب

إزاء هذا الواقع، ومن زاوية اقتصادية صرف، فإن أي زيادة في الإنفاق، سواء كانت على الرواتب والأجور أو على المشاريع المُلزّمة لصناديق وجهات أمعنت فسادًا خلال ماضي السنوات، ستؤمَّن من الضرائب. وكل الحديث عن مكافحة التهرّب والتهريب، والرسوم على المرامل والكسارات، والإيرادات من الأملاك البحرية والنهرية والمشاريع الاستثمارية، يظل “أضغاث أحلام”.

والمفارقة أن زيادة الحاصلات من هذه المصادر سيقابلها إنفاق أكبر منه، سيعود ويُموَّل من الضرائب إن لم يُعاد هيكلة القطاع العام. وفي جميع الأحوال، ما إن تصل هذه الزيادات إلى جيوب الموظفين، حتى تُسحب منها في أول كل شهر بفواتير المياه والكهرباء، ورسوم البلديات، وفي كل عملية شراء من متجر أو زيارة لمكان سياحي.

ما لم تُصوِّب السلطة التشريعية الموازنة إلى الأهداف الحقيقية، المتمثلة في تخارج السلطة التنفيذية من المؤسسات المترهلة، وفي مقدمتها الكهرباء، وتعيد هيكلة قطاعها العام على أسس سليمة، وتخفض الإنفاق على مزاريب الهدر والفساد، فإن الاقتصاد سيبقى يدور في الحلقة المفرغة نفسها التي يدور فيها منذ التسعينيات.

ولعل أحطر ما ستواجهه هذه الموازنة هو الإنفاق من خارجها على زيادة الرواتب والأجور، كما قُطعت الوعود في جلسات المناقشة، وعلى تسديد الديون، ولا سيما للبنك الدولي، التي أصبحت تفوق 1.8 مليار دولار، وإعادة هيكلة الدين العام إذا ما تمت هذا العام، وغيرها العديد من النفقات التي لم تلحظها الموازنة.

غياب الرؤية

بالشكل، لم يصبح للبنان موازنة فحسب، إنما متوازنة أيضًا. أما في المضمون، فإن العجز كبير، وهو يتجاوز، إذا أخذنا كل النفقات من خارجها، 5 في المئة من الناتج، ما يتناقض جملةً وتفصيلًا مع مطلب صندوق النقد الدولي بتخفيض عجز الموازنة إلى صفر من الناتج المحلي الإجمالي. فيما الدين العام ما زال مرتفعًا جدًا، وهو يتجاوز 180 في المئة من الناتج إذا ما حسبنا دين مصرف لبنان على الدولة، واليوروبوندز، والأموال المستحقة للعراق، وقروض البنك الدولي، والقرض المفترض من صندوق النقد، وقروض إعادة الإعمار المزعومة.

مشكلة موازنة 2026 ليست بالأرقام، إنما بالتوجهات، وحرف الرأي العام نحو تخصيص مبلغ 200 مليون دولار للشؤون الاجتماعية من هنا، و150 مليونًا للبنى التحتية من هناك، والوعود بزيادة الإيرادات هي “ذرّ للرماد في العيون”. وما لم تُصوّب السلطة التشريعية الموازنة نحو الأهداف الحقيقية، المتمثلة في تخارج السلطة التنفيذية من المؤسسات المترهلة، وفي مقدمتها الكهرباء، وإعادة هيكلة القطاع العام على أسس سليمة، وخفض الإنفاق على مزاريب الهدر والفساد، فإن الاقتصاد سيبقى يدور في الحلقة المفرغة نفسها التي يدور فيها منذ التسعينيات.