من “أم الفقير”، إلى “مفقرة” الطلاب والخزينة، تحولت الجامعة اللبنانية في السنوات الأخيرة، على غرار أكثرية اترابها من المؤسسات العامة. وقد أتى هذا التحول نتيجة حشوها بالموظفين، وتهجير طلابها. ففي الوقت الذي كان فيه عدد الطلاب في الجامعة يتراجع دراماتيكيا حتى وصل إلى أقل من 30 في المئة من مجمل طلاب التعليم العالي في العام 2023، كانت أعداد الموظفين ترتفع. والمطالب بتفريغ المزيد من الاساتذة، وثبيت المتعاقدين تزداد، بعيدا عن أي دراسة إكتوارية جدية، والعمل بموضوعية على فصل المستحقين عن الدخلاء.. وما أكثرهم.
تُظهر الأرقام المنشورة على موقع الجامعة اللبنانية أن عدد الطلاب يبلغ 79 ألفاً و330 طالباً، من دون تحديد العام الدراسي، الذي يُتوقع أن يكون للعام 2020، مع العلم أن إحصاءات حديثة تشير إلى تراجع العدد إلى أكثر بقليل من 40 ألف طالب. يقابل هذا العدد من الطلاب 2296 موظفاً إدارياً، ونحو 4000 أستاذ بين متفرغ ومتعاقد. ويصل العدد الإجمالي للكادر الأكاديمي في الجامعة اللبنانية إلى نحو 6500 موظف وموظفة، ما يعني أن هناك موظفاً لكل 8 طلاب في الجامعة، في حين يبلغ متوسط الكادر الأكاديمي في عيّنة من 6 جامعات خاصة نحو موظف لكل 10.6 طالب. وقد بلغ هذا الرقم 11 في الجامعة الأميركية، و9 في الجامعة اللبنانية الأميركية، و9.5 في العربية، و13 في روح القدس – الكسليك، و10 في الإسلامية، و11 في البلمند.
الإنفاق في غير مكانه
وبدلاً من حل هذه المشكلة التي تؤثر على كفاءة الجامعة وترشيد إنفاقها، ولا سيما في سنوات ما بعد الانهيار، جرى العكس. فقد تم العمل بما يناقض المنطق الذي يفترض واحداً من أمرين: إما تقليص عدد الكادر الأكاديمي ليتناسب مع المتوسط، وإما العمل على زيادة أعداد الطلاب. فمجلس الوزراء وافق، قبل نهاية العام الماضي، على تفريغ 1282 أستاذاً في الجامعة اللبنانية، وينتظر نقاش الكلفة المالية التي تبلغ نحو 36 ألف دولار سنوياً لكل أستاذ، وبمجموع يصل إلى أكثر من 46 مليون دولار. كما أقرت لجنة المال والموازنة النيابية زيادة اعتماد الجامعة اللبنانية في موازنة 2026 بمقدار 961 مليار ليرة (10.8 مليون دولار)، من أجل رفع تعرفة ساعات التعاقد وتسديد ديون متراكمة من أبنية وصيانة وإيجارات.
رفع الأقساط
في المقابل، عمدت الجامعة اللبنانية إلى رفع أقساطها التعليمية بشكل كبير، بما يتناقض مع الدور الذي طالما تباهت به، وهو توفير التعليم لأبناء شريحة محدودي الدخل. كما أنها، رغم إنفاق مليارات الدولارات على المجمعات والكليات المنتشرة في مختلف مناطق لبنان، لم توفر خدمة المبيت للطلاب، ما يزيد من كلفة النقل من المناطق النائية إلى مستويات تفوق قيمة الأقساط نفسها. هذا الواقع يدفع الطلاب أحياناً إلى التسجيل من دون حضور، أو إلى العمل بدوامات طويلة لتغطية النفقات، ما ينعكس سلباً على مستوى خريجي الجامعة ويؤدي إلى فقدان المزيد من الطلاب.
ولا تتوقف المشاكل عند هذا الحد، إذ تعاني العديد من المباني من نقص دورات المياه والتدفئة والتبريد، وأحياناً حتى الإنارة، بينما يتعرض الطلاب لمضايقات من القوى النافذة في الكليات وفق توزّعها المناطقي، من دون أي ضبط جدي لهذه الظاهرة.
صحيح أن القسط السنوي في الجامعة اللبنانية ما زال أقل من أقساط الجامعات الخاصة، إلا أنه، بالمقارنة مع الظروف المعيشية لطلاب الجامعة، يظل كبيرا. فقد ارتفع القسط لطلاب الإجازة في الكليات التطبيقية 54 ضعفاً، من 245 ألف ليرة قبل العام 2019، إلى 13 مليون و235 ألف ليرة للطلاب اللبنانيين والفلسطينيين، فيما زادت الدولة أجور موظفيها 13 ضعفاً فقط، وانخفض الحد الأدنى للأجور من 450 دولاراً إلى 313 دولاراً.
ويصح على هذه السياسة المثل الشعبي: «لا بتدمر عيدنا ولا بالشام لحقنا العيد»، فلا الأقساط ارتفعت إلى مستوى قادر على تأمين أفضل الخدمات التعليمية، ولا هي بقيت رخيصة بما يسمح باستقطاب الفئات الشعبية.
تفريخ الكليات
على غرار المدارس الرسمية، فرّخت الجامعة اللبنانية عشرات الفروع في المناطق بحجة التنمية والعدالة المناطقية، فيما كان الهدف الحقيقي هو تلبية مصالح السياسيين والنافذين في هذه المناطق، وإعطاؤهم في أحيان كثيرة الفضل في التنمية. فقد كان افتتاح فروع الجامعات يسبق الانتخابات النيابية، مما يجعل المسؤولين يتفاخرون أمام قواعدهم الشعبية بأنهم «جابوا فرعاً للجامعة اللبنانية».
لكن هذا التباهي لا يأتي من دون كلفة، ومن يتحمل هذه الكلفة بشكل مباشر هي الخزينة العامة، وبشكل غير مباشر المواطنون، من خلال زيادة الضرائب والرسوم لتأمين نفقات هذه المباني، التي تشغل الحد الأدنى من الإمكانات مقارنةً بالمتوسطات العالمية والمحلية للجامعات. فالجامعة اللبنانية تملك ثلاث مجمعات جامعية كبيرة:
- مجمع الرئيس الشهيد رفيق الحريري في الحدث.
- مجمع بيار الجميل في الفنار
- ومجمع ميشال سليمان في الشمال
وتضم هذه المجمعات، مع ما ينتشر خارجها، 76 فرعا وشعبة، وإذا اعتبرنا ان عدد الطلاب الجامعة اللبنانية هو 40 ألف فان هناك فرعا جامعيا لكل 526 طالبا.
موازنة الجامعة
يبلغ مجموع المخصصات والرواتب والأجور وملحقاتها للجامعة اللبنانية في مشروع موازنة 2026 نحو 24.7 مليار ليرة، أي ما يعادل 276 ألف دولار، فيما كانت موازنة الجامعة قبل الانهيار تعادل 250 مليون دولار. ويشكل بند الأجور وصيانة الأبنية ودفع الإيجارات الغالبية العظمى من هذه الموازنة، في حين يُنفق على البحث العلمي والتطوير الأكاديمي أقل بكثير.
سوء الإدارة
المخالفات في الجامعة اللبنانية كثيرة وتكاد لا تحصى، بدءاً من الضغوط على الموظفين لتغيير العلامات من قبل مدراء الفروع، مروراً بالاستفادة من التعليم في الجامعات الخاصة أو العمل في الخارج مع تقاضي الراتب من الجامعة اللبنانية، وانتهاءً بتحقيق المدراء والعمداء لمنافع كبيرة على حساب المال العام ومصلحة الطلاب.
تشير أوساط في الجامعة اللبنانية إلى مخالفات متعددة، أبرزها عدم التزام المدراء المدعومين بالحضور إلى الكليات، حيث يقتصر تواجدهم على يوم واحد فقط، بينما يواصلون التدريس أو العمل في المعاهد والثانويات، بالإضافة إلى ممارسة أنشطة في شركات خاصة. ويعفي عمداء في الجامعة اساتذة وموظفين من الحضور، ويعطون الحوافز من دون مراعاة الإنتاجية الفعلية. كما يعمد بعضهم إلى تغطية الغياب أو حتى التوقيع نيابةً عن الأساتذة دون حضور فعلي. والأموال التي تُحسم من الذين يتخلفون عن الحضور، يعاد توزيعها على المقربين والمحسوبين.
علاوة على ذلك، فإن عددا من الذين يتقاعدون من الجامعة اللبنانية من عمداء وموظفين يعودون بعقود استشارية، وهو ما يفتح باب عريضا أمام التنفيعات. وتمتد التنفيعات إلى الدورات التأهيلية التي تفصل على قياس أشخاص محددين وذوييهم، وإلى الشركات التي يتم التعاقد معها لصيانة المجمعات الجامعية، وخصوصا في الحدث، حيث تتضمن لوائح الشركات أسماء على الورق فقط، ويستعان بعمالها في المهمات الخاصة للنافذين في الجامعة.
الجامعة اللبنانية لم تعد أم الفقير بل المساهمة في إفقار الاقتصاد، والطلاب على حد سواء. وهي تتطلب كغيرها من المؤسسات العامة إعادة هيكلة جدية لوضعها على سكة العمل الصحيح ولتصيح منافسة جدية للجامعات الخاصة.
