يقول مثلٌ مصريٌّ شعبيّ: عند الدفع بـ«الكاش» الغالي يبقى بـ«بلاش»، بدلالة على أن الدفع النقدي يمنح المشتري قدرة كبيرة على تخفيض الأسعار والحصول على أفضل العروض، فتصبح السلعة وكأنها مجانية أو بسعر زهيد جدًا مقارنة بالتقسيط أو التأجيل. إلا أنه، مع ركوب تبييض الأموال وتمويل الإرهاب موجة الاقتصاد النقدي، وتشكيل الأخيرة بيئة حاضنة ودافئة للعمليات غير المشروعة، أصبح الدفع بالنقد منبوذًا أكثر من الكفار. ويعمل النظام المالي العالمي بأقصى ما أوتي من قوة، وبأشدّ ما يملك من عقوبات، لمواجهة هذه الظاهرة، حتى لو كانت بريئة أو غير مؤذية.
وعلى الرغم من أن «ثقافة» الدفع النقدي منتشرة في العديد من بلدان العالم، فإن الأسباب تختلف بشكل جذري، وكذلك النتائج والتداعيات. ففي اليابان مثلًا، التي تُعدّ من دول العالم الأول، لا يزال كبار السن يتمسكون بالاحتفاظ بأموالهم بشكلها الفيزيائي، بعادة تعود جذورها إلى الحرب العالمية الثانية، ويدفعون نقدًا. كذلك، في الكثير من المجتمعات الريفية في أكثر الدول تحضّرًا، يُسدَّد ثمن المشتريات نقدًا.
أما غربيًا، فإن دول الاتحاد الأوروبي لم تعمد إلا في العام 2023 إلى منع التسديد النقدي لشراء مختلف السلع والعقارات التي تتجاوز قيمتها 10 آلاف يورو. وأميركيًا، فبالإمكان إجراء البيوعات العقارية نقدًا إن قبل البائع، إذ بوشر العمل على الإبلاغ عن العمليات العقارية التي تجري خارج المؤسسات المصرفية إذا تجاوز السعر 300 ألف دولار. كذلك تطلب السلطات الرقابية الإبلاغ عن الأموال المنقولة التي تفوق قيمتها 10 آلاف دولار أميركي.
متى يصبح التعامل بالنقد خطيرا
الخطورة إذا ليست بوجود إقتصاد نقدي بحد ذاته إنما، بأمرين أساسيين:
- حجم هذا الاقتصاد، ونسبة المعاملات النقدية من مجمل المعاملات.
- أسباب انتشاره، إذ إن هناك فرقًا كبيرًا بين أن يكون الاقتصاد النقدي ناتجًا عن قلّة عادة شريحة من المواطنين، أو عن انعدام الشمول المالي، أو عن تقصّد استمراره لتبييض الأموال.
الدولة الأكثر تعاملاً بالنقد
وبحسب تصنيف أجرته كلٌّ من «فوركس» (Forex) و«فيجيوال كابيتاليست» (Visual Capitalist)، ونشرته «سي إن إن الاقتصادية»، فإن عددًا كبيرًا من الدول يعتمد في مبادلاته على النقد بنسبة تتجاوز 70 في المئة، وتصل في بعضها، مثل ميانمار، المصنّفة على اللائحة السوداء لمجموعة العمل المالي (FATF)، إلى 98 في المئة. وبالأرقام:
- حلت جزر المالديف، مدغشقر، إندونيسيا، الهند، هايتي، كولومبيا، والأرجنتين، عند مستوى 70% من المعاملات النقدية اليومية، إذ تلعب الأسواق الصغيرة والمناطق الريفية دوراً حاسماً، حتى مع وجود حلول دفع رقمية في المدن الكبرى.
- وبرزت ترينيداد وتوباغو وتنزانيا، عند 75%، إذ تُكمل حلول الهاتف المحمول الكاش ولا تحل محله.
- وحلت سريلانكا، مولدوفا، المكسيك، الأردن، جامايكا، الغابون، فيجي، ومصر، عند 80%، إذ يظل النقد أساسياً في النقل، الباعة الجائلين، والتجارة اليومية خارج المراكز الحضرية الكبرى.
- وارتفعت النسبة في في منغوليا، كوبا، إيران، والعراق، إلى 85% بسبب اتساع الجغرافيا، العقوبات، أو عدم الاستقرار الاقتصادي.
- ووصلت في باكستان، نيبال، لبنان، لاوس، كمبوديا، وألبانيا، إلى 90% حيث يلعب الاقتصاد غير الرسمي والأزمات المالية دوراً مركزياً.
- وسجّلت غامبيا وإثيوبيا 95%.
- وتصدرت ميانمار القائمة بنسبة 98%، في ظل ضعف شبكات الصراف الآلي والاضطرابات السياسية.
إجراءات لبنان لتقليل الاعتماد على النقد
إذاً، حلّ في المرتبة ما قبل الأخيرة بنسبة التداول النقدي أو التعامل بـ “الكاش”، وكان الأمين العام لهيئة التحقيق الخاصة – وحدة الإخبار المالي اللبنانية – عبد الحفيظ منصور قد قدّر، في مؤتمر لاتحاد المصارف العربية في العام 2024، حجم الاقتصاد النقدي بحوالى 14 مليار دولار، من أصل ناتج لا يتجاوز 21.5 مليار دولار، بحسب أرقام البنك الدولي. ويحمل اللبنانيون بين أيديهم بين 5 و6 مليارات دولار نقدًا، ما يعني أن الاقتصاد النقدي يشكّل أكثر من 65 في المئة من حجم الاقتصاد.
إزاء هذا الواقع، اتخذ لبنان مجموعة من الخطوات لمكافحة الاقتصاد النقدي، فأصدر مصرف لبنان، وبشكل خاص وزارة العدل، مجموعة من القرارات والتعاميم، سنذكرها بحسب تاريخ صدورها من الأحدث إلى الأقدم، والذي يعود إلى عام 2023، وهي:
- التعميم 170 الصادر عن مصرف لبنان والذي يمنع التعامل مع الجهات المالية غير المرخصة، وأبرزها القرض الحسن.
- تعميم وزارة العدل الرقم 1355، الذي يطلب فيه من الكتاب العدل التحقق من مصد الأموال، وذكره صراحة في العقد. وتحديد ما إذا كان المبلغ المسدد نقدي أو شيك مصرفي. والتحقق من أن صاحب المعاملة غير مدرج على لوائح العقوبات الدولية. والتشديد على ذكر صاحب الحق الاقتصادي.
- التعيم رقم 3 الصادر عن مصرف لبنان، والمتعلق بـ KYC، أو إعرف عميلك، الموجه لشركات تحويل الأموال والصرافين فيما خص المعاملات التي تفوق قيمتها 1000 دولار.
- التعميمين الوسيطين 742 و743 بشأن الشيكات وعمولات نقاط البيع. ينصّ التعميم الأول على ضرورة التزام المصارف، عند إصدار الشيكات المصرفية، بالتأكد من أنها ستُستخدم لأغراض شخصية أو تجارية، وليس للمضاربة على الليرة. وينصّ التعميم الثاني على أن عائدات الدفع ببطاقات الليرة اللبنانية للأفراد (Debit Cards)، عبر أجهزة نقاط البيع المحلية (POS Machines)، لا تخضع لأي نوع من القيود أو العمولات، ويمكن سحب هذه العائدات نقدًا أيضًا.
- التعميم 165، الذي سمح للمصارف بإصدار شيكات بالليرة والدولار من الحسابات النقدية حصراً (Fresh Lira and Dollar).
- إنشاء “المركزي” وحدة مقاصة لتسوية هذه الشيكات. وكان الهدف الأساسي من هذا التعميم هو تحفيز أصحاب الحسابات النقدية على التوقف عن تسديد مدفوعاتهم بشكل نقدي، والانتقال إلى استعمال الشيكات، إلى جانب التشجيع على فتح حسابات جديدة بالليرة والدولار، بهدف تقليل الاعتماد على النقد، وتحفيز الانتعاش الاقتصادي.
الكلفة كانت باهظة
شهدت بداية الألفية هجمة غير مسبوقة على التعامل النقدي، وقد زادت بشكل كبير في السنوات العشر الأخيرة، وذلك لهدف بسيط يمكن اختصاره بالحاجة إلى تتبّع المعاملات والمدفوعات، من أجل ضبط تبييض الأموال. فانتشر التشجيع على الشمول المالي، بما يعنيه من تسهيل الوصول إلى وسائل الدفع غير النقدية وتخفيض كلفتها، من أجل إشراك أكبر قدر ممكن من الأفراد والمجتمعات في التعامل غير النقدي. وتُظهر البيانات أن الاعتماد على النقد في عام 2025 لا يرتبط فقط بمستوى الدخل، بل بالبنية التحتية المصرفية، والاستقرار الاقتصادي، والثقة في النظام المالي، وطبيعة الاقتصاد غير الرسمي. ففي دول تعاني تضخمًا مرتفعًا، أو قيودًا مصرفية، أو ضعف انتشار الخدمات الرقمية، يصبح الكاش أداة أمان أكثر منه خيارًا تقليديًا.
هذا التحوّل، على أهميته، ظلّ غير متكافئ، فبينما انتقلت اقتصادات متقدمة إلى شبه مجتمع بلا «كاش»، ظلّت دول كثيرة عالقة بين الطموح الرقمي وواقع يومي تحكمه القيود البنكية، والتضخم، وضعف الثقة. ومن هذه الدول يبرز لبنان، الذي جر عليه الاقتصاد النقدي تصنيفه من ضمن الدول المتّهمة بتبييض الأموال، وهو الأمر الذي صعّب المعاملات، وهدّد بقطع المصارف المراسلة العالقة معه، ورفع التكاليف، وأبعد الاستثمارات، وهدده باللائحة السوداء إن لم يتعاون كما يجب. وعليه، فإن التعامل بالكاش لم يكن «ببلاش»، بل بكلفة اقتصادية باهظة.
