هل نترحّم على «أوجيرو» بعد إنشاء «ليبان تيليكوم»؟

ليبان تيليكوم

 

«لا تؤجّل عمل اليوم إلى الغد»؛ حكمة لو سارت عليها الحكومات المتعاقبة منذ بداية الألفية، لما وصلنا إلى هذا الدرك من الانهيار. ومن الأمثلة الفاقعة على أن التسويف عدوّ الإنجاز، يبرز قانون تنظيم قطاع الاتصالات وخصخصته، الرقم 431، الصادر في العام 2002. فإهمال تنفيذ القانون ووضع مراسيمه التطبيقية، ولا سيما في ما يخص إنشاء «الهيئة الناظمة» وشركة «ليبان تيليكوم»، أدّى إلى تحجيم قطاع الاتصالات في لبنان وتفويت فرصة النمو الرقمي على الاقتصاد. وسيخلق تطبيقه متأخرًا 24 سنة، وعقب أسوأ انهيار نقدي يشهده العالم، إشكاليات قانونية وتعقيدات تنفيذية كنا بغنى عنها لو طُبّق القانون في وقته.

عدا عن التغيّر الجذري في مقاربة ملف الاتصالات عالميًا، فإن تطبيق القانون يفترض تحويل إدارة خدمات الهاتف الثابت إلى شركة مساهمة باسم «ليبان تيليكوم»، مع إبقاء أوجيرو كجهة حكومية مالكة للأصول والبنية التحتية. وعليه، لا يعود هناك من حاجة للإبقاء على جهاز بشري يضم أكثر من 3000 موظف ومتعاقد. فيجري إلحاق الموظفين والعاملين لدى وزارة الاتصالات وأوجيرو، ممن تتوافر لديهم الشروط النظامية، بالملاكات الجديدة في شركة ليبان تيليكوم، والهيئة الناظمة، بعد 3 أشهر من البدء بتطبيق القانون، وصرف كل من يرغب في إنهاء خدماته.

التعويضات أول الغيث

المشكلة التي سيواجهها تطبيق القانون تتعلّق بكونه ينص على أن المصروف يُعطى تعويضًا يوازي مجموع رواتبه وتعويضاته عن ثلاثين شهرًا، على ألّا يقل عن ثلاثين مليون ليرة لبنانية، إذا كان قد مضى على خدمته أكثر من خمس سنوات. وهذا المبلغ الذي كان يساوي 20 ألف دولار بين العامين 2002 و2019، لم يعد يساوي اليوم، بعد الانهيار النقدي، أكثر من 300 دولار.

حالة الاعتراض داخل أروقة المقرّ الرئيس لشركة أوجيرو وسنترالاتها، التي بدأت همسًا عند تعيين الهيئة الناظمة لقطاع الاتصالات في نهاية العام الماضي، لم تلبث أن تحوّلت إلى غليان يهدّد بإضراب مفتوح ومحاولة عرقلة تطبيق القانون 431. وقد ضمّ الاتحاد العمالي العام صوته إلى صوت الموظفين، مطالبًا «التقيّد بالأصول القانونية التي تحفظ وتضمن حقوق المستخدمين والمياومين، ولا سيما حقوقهم في استمرارية العمل، وصولًا إلى تعويضات نهاية الخدمة عبر تعديل المادة 49 من القانون 431 تاريخ 27/7/2002 من قانون تنظيم قطاع الاتصالات».

وقد طالب الاتحاد العمالي العام، في بيان، المسؤولين، وعلى رأسهم رئيس مجلس الوزراء ووزير الاتصالات، بالتدخّل وإجراء حوار صريح وجاد مع نقابة موظفي وعمال أوجيرو، وهم برأيه «الحجر الأساس في المحافظة على هذه المؤسسة واستمراريتها في أحلك الظروف، لحماية حقوق الموظفين وتثبيت المياومين، تحقيقًا لانتقال آمن ومنتج إلى شركة ليبان تيليكوم، يحفظ استمرارية عمل الجميع مع التقديمات التي هي ثمرة نضال وتعب ومسؤولية لعشرات السنين».

على ماذا ينصّ القانون؟

يتمّ التعامل مع الموظفين في وزارة الاتصالات وأوجيرو، عند البدء بتطبيق القانون وفقًا لاختيارهم العمل في الهيئة الناظمة أو ليبان تيليكوم. ففي حال اختيارهم العمل في الهيئة، يوضعون، بحسب القانون، خارج الملاك ويُلحقون بها، وذلك وفقًا للأحكام المتعلّقة بالوضع خارج الملاك المنصوص عليها في نظام الموظفين، ودون الحاجة إلى تجديده سنويًا، على أن لا تقلّ قيمة تعويضاتهم عن قيمة الرواتب التي كانوا يتقاضونها سابقًا.

أمّا في حال اختار الموظف الالتحاق بشركة ليبان تيليكوم وموافقة الشركة على ذلك، تُصفّى حقوقه وفقًا لأحكام هذا القانون، ويُنظّم له عقد وفقًا للأنظمة المعتمدة من قبل الشركة.

وفي الحالات الأخرى، يجري نقل الموظفين إلى وظائف في ملاكات الإدارات العامة وفقًا لأحكام نظام الموظفين التي ترعى النقل من ملاك إلى ملاك. والذين لا يتسنّى نقلهم، يوضعون بتصرّف الوزارة، ويستمرّون بقبض رواتبهم وتعويضاتهم وتدرّجهم حتى بلوغهم السنّ القانونية. ويعود لمجلس الوزراء أو الوزراء المختصّين، في أي وقت، تكليفهم بأي مهمّة في الإدارات العامة أو المؤسسات العامة، ويتقاضون رواتبهم في هذه الحالة من الجهة المكلّفين العمل لديها، على أن يعمل مجلس الخدمة المدنية خلال هذه المدّة على نقلهم إلى وظائف شاغرة في ملاكات الإدارات العامة وفقًا لأحكام نظام الموظفين، وكلّما أمكن ذلك.

مصير أوجيرو

صحيح أن القانون 431 لا ينصّ صراحة على إقفال أوجيرو، إلّا أن المادة 50 منه تنصّ بوضوح على انتقال جميع المهام والصلاحيات المنصوص عليها في القانون، والتي كانت تتولاها الوزارة أو موكلة إلى أوجيرو، إلى ليبان تيليكوم. كما تُحدَّد، عند الاقتضاء، بمرسوم يُتخذ في مجلس الوزراء بناءً على اقتراح وزيري الاتصالات والمالية، الأصول والموجودات التي يُقرَّر إسقاطها من الأملاك العامة، وجميع الأصول والموجودات التي يُقرَّر نقلها من ملكية الوزارة وأوجيرو إلى الهيئة.

تحدّيات تطبيق القانون

المشكلة الثانية، التي لا تقلّ تعقيدًا وخطورة، تتمثّل في احتمال أن يؤدّي تطبيق القانون 431، بصيغته الحالية، إلى تعزيز احتكار الدولة لقطاع الاتصالات، بدل تفكيكه وفتحه أمام المنافسة الفعلية وجذب المزيد من المستثمرين إليه. فبموجب المادة 44 من القانون، تُؤسَّس شركة مغفلة تخضع لأحكام قانون التجارة، باستثناء المادة 78 منه، وفي كل ما لم ينصّ عليه هذا القانون، تُسمّى «شركة اتصالات لبنان Liban Telecom»، ويُناط بها توفير خدمات الاتصالات الأرضية والخلوية. وتعود ملكية الشركة بالكامل عند التأسيس إلى الدولة اللبنانية، التي تبقى المساهم الوحيد إلى حين تخصيص الشركة كليًا أو جزئيًا.

غير أن هذا الإجراء لا يُنفّذ إلّا بعد مرور 20 سنة، إذ نصّت المادة 45 على منح الشركة حقًا حصريًا وترخيصًا لمدة عشرين سنة لتوفير مختلف خدمات الاتصالات المعمول بها وما تراه مناسبًا لخدمة المنفعة العامة، مع استثناءات محدّدة نصّ عليها القانون.

وعلى الرغم من أن الهيئة الناظمة لقطاع الاتصالات تملك، نظريًا، صلاحية منح ترخيص غير حصري لأي طالب ترخيص لتوفير خدمة مشمولة بالحق الحصري لشركة ليبان تيليكوم، في حال تخلّفت الشركة عن توفير هذه الخدمة في منطقة أو أكثر بعد إنذارها خطيًا بمدّة لا تقلّ عن ستين يومًا، فإن الإشكالية أعمق من ذلك بكثير. فالقانون، في جوهره، يفترض خصخصة شركتي الخلوي وفتح السوق على المنافسة بالتوازي مع إنشاء الشركة.

أمّا في حال عدم السير بخصخصة الشركتين واستمرار تملّكهما من قبل الدولة، فإن الأخيرة ستصبح مالكة حصرية لثلاث شركات خلوية، هي MIC1 – Mobile Interim Company 1 وMIC2 – Mobile Interim Company 2، اللتين استحوذت عليهما الدولة في العام 2002 بعد استردادهما من «سيليس» و«ليبانسيل»، إضافة إلى ليبان تيليكوم التي تؤمّن خدمات الاتصالات الخلوية.

وبغضّ النظر عن أن ليبان تيليكوم، يُفترض أن تُدار من قبل القطاع الخاص، الذي يتملّك فيها حصة 40 في المئة مقابل 60 في المئة تبقى من نصيب الدولة، وكذلك الأمر بالنسبة لشركتي الخلوي المعروفتين بـ«تاتش» و«ألفا»، فإن الدولة ستبقى، في المحصلة، المحتكر الوحيد للقطاع، مع ما يرافق ذلك من تفويت فرص تطويره وفق المعايير والمقاييس العالمية المعتمدة.

أحجية المستقبل

أسئلة كثيرة تُطرح اليوم، بناءً على تجربة السنوات الماضية المريرة: هل يشكّل امتلاك الدولة شركة خلوية حاجة فعلية، أم يضيف المزيد من الأعباء في التوظيف والصفقات؟ ولماذا تبقى ملكية وإدارة شبكة الإنترنت حكرًا على الدولة؟ ولماذا لا تُوسَّع تجربة الترخيص لستارلينك لتشمل عددًا أكبر من الشركات الأرضية والفضائية؟ ولماذا الابقاء على فائض الموظفين من دون عمل؟ ولماذا لا يجري فتح قطاع الاتصالات على المنافسة الجدية، بما يتيح لكل القادرين تقديم الخدمة بناء على حاجات السوق ونمو الاقتصاد؟ ولماذا الإبقاء على اوجيرو كمالكة للاصول العامة؟

أسئلة كثيرة يتوجب على الهيئة المنظمة للاتصالات التي ولدت في نهاية العام الماضي الإجابة عنها. وعلى هذه الهيئة مسؤولية تحديد ما إذا كانت هناك حاجة فعلية إلى إنشاء ليبان تيليكوم من عدمه، فضلًا عن تعديل العديد من مواد القانون 431 الذي تخطّاه الزمن في الكثير من جوانبه وبات يحتاج إلى مراجعة شاملة. كما يقع على عاتقها العمل الجاد على فتح السوق أمام المنافسة في قطاعي الاتصالات والإنترنت، خصوصًا أن هاتين الخدمتين أصبحتا حجر الزاوية في تطوير الاقتصاد الوطني ورفده بالعملة الصعبة وبالمهارات اللازمة للنمو. وذلك من خلال توسعة السوق، وزيادة عدد الشركات، وإدخال القطاع الخاص شريكاً بالتملك وليس الادارة فقط.

رغم تعقيد المسارين القانوني والتنفيذي فيما خص الاتصالات، فإن العبرة الأوضح مما يجري في هذا القطاع تكمن في خطورة تأجيل تنفيذ الإصلاحات. فالتأجيل يضع الأمور خارج سياقها الطبيعي ويُضعف فعاليتها، فيما يمنح الإنجاز في الوقت الصحيح الأشياء مكانتها الحقيقية وصلابتها، جريًا على المثل القائل: «الحجر مكانه، وزنه قنطار».