وصلت المفاوضات بين «نقابة الأطباء» و«جمعية شركات الضمان» في لبنان إلى حائط مسدود، إذ ترفض الأخيرة إضافة 5 في المئة على رمز الخدمة الطبية (CPT Code) الذي على أساسه يتقاضى الأطباء حقوقهم من المرضى المضمونين. في حين تعتزم نقابة الأطباء تقاضي الفرق من المريض نقداً، لتأمين حقوق الأطباء الآخذة في التراجع منذ عام 2019. مما سيسفر عن ارتفاع في فاتوة الطبابة
تقوم العلاقة التعاقدية بين الأطباء وشركات التأمين على نظام يُعرف بـ (CPT – Current Procedural Terminology). ويُستخدم هذا النظام لوصف الخدمات والإجراءات الطبية التي يقوم بها الطبيب، إذ إن لكل خدمة رمزًا محددًا. وتدفع شركة التأمين للطبيب وفق القيمة المحددة لذلك الرمز.
اتفاق 2023
في العادة، كانت أسعار الإجراءات الطبية تتحدد بناءً على التعرفة التي تعتمدها كل من وزارة الصحة والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، بصفتهما أكبر جهتين ضامنتين في لبنان، وتتبعُهما مختلف شركات التأمين.
إلا أن هذه الأسعار لم تتغير منذ عام 1997، على الرغم من الانهيار الاقتصادي الذي حدث عام 2019 وما تبعه من انخفاض في قيمة العملة الوطنية وارتفاع في مختلف الأكلاف التشغيلية، ولا سيما تلك المتعلقة بالكهرباء والرسوم والضرائب وسائر الخدمات.
وإزاء هذا الواقع، الذي كان يفضي إلى خيارين أحلاهما مرّ: إما هجرة الأطباء من لبنان، وإما تحميل المرضى المضمونين كلفة الفروقات في الأسعار، توصلت نقابة الأطباء وجمعية شركات الضمان عام 2023 إلى اتفاق يقضي بتعديل التعرفة. ونصّ الاتفاق على رفع فاتورة الطبابة بنسبة 75 في المئة فورًا، على أن تُزاد إلى 85 في المئة مع نهاية عام 2023، ثم إلى 100 في المئة في عام 2024، وصولًا إلى 105 في المئة في مطلع عام 2025. وبهذه الطريقة، تكون تعرفة الطبيب قد عادت إلى ما كانت عليه قبل الأزمة في العام 2019. ذلك مع العلم أنها لا تزال، “غير كافية”، بحسب مصادر الأطباء، نظرًا إلى ارتفاع الأسعار بالعملة الأجنبية بأكثر من 30 في المئة بين عامي 2019 و2025، وفق الإحصاءات والأرقام الرسمية.
نقض الاتفاق
ما اتُّفق عليه بين «الأطباء» و«شركات الضمان» في وضح نهار عام 2023، محته «عتمة» الحرب في مطلع عام 2025. فمع تعاظم أهوال الحرب، وتسبّبها بتشرّد مئات آلاف الأفراد، والضغط الذي أحدثته على مداخيل المؤمنين وقدراتهم المادية، وكذلك على شركات التأمين، فضّلت هذه الأخيرة تأجيل الزيادة المتبقية على فاتورة الطبابة ، البالغة 5 في المئة، إلى مطلع العام الحالي.
غير أن بوادر التهرّب من هذه الزيادة بدأت تظهر باكرًا منذ أشهر قليلة، إذ اعتبرت شركات التأمين، في معرض تواصلها مع المعنيين، أن الأطباء أخذوا كامل حقوقهم من الزيادات التي أضافتها الشركات على فواتير المستشفيات، ومن خلال رفع الضمان الاجتماعي لمختلف أكلاف الأعمال الطبية، وبالتالي لم تعد هناك حاجة ملحّة لإقرار الزيادة المتفق عليها.
وبحسب جمعية شركات الضمان، فإن شركات التأمين رفعت تسعيرة الفواتير الاستشفائية المتعاقد عليها بنسبة 15 في المئة، كما أعاد الضمان الاجتماعي تعرفاته إلى ما كانت عليه قبل عام 2019، ولا سيما أن البوالص الاستشفائية تشكّل النسبة الأكبر من البوالص المصدرة، بما يقارب 65 في المئة.
وتخشى شركات التأمين أن تؤدي الزيادة المتبقية بنسبة 5 في المئة على فاتورة الطبابة إلى رفع قيمة البوالص، ما قد يزيد الضغط على المؤمنين ويدفعهم إلى فسخها، في وقت يؤكد فيه المعنيون عدم القدرة على تحمّل هذا الفرق. وكان رئيس جمعية شركات الضمان في لبنان، أسعد ميرزا، قد صرّح إعلامياً بأن الأقساط التأمينية التي سجّلها قطاع التأمين في لبنان انخفضت بصورة ملحوظة، من 1.6 مليار دولار عام 2019 إلى نحو مليار دولار عام 2025.
الزيادة ستفرض على المريض
غير أن الحجج التي تسوقها شركات التأمين ترفضها مصادر الأطباء جملةً وتفصيلًا، ولا سيما في ما يتعلق بتعرفة الضمان، التي تغطي 90 في المئة من التسعيرة الجديدة، علماً بأنها لا تزال تقلّ بنسبة 50 في المئة عمّا كانت عليه قبل الانهيار.
وعليه، لا ترى النقابة بُدًّا من عودة الأطباء إلى استيفاء نسبة الـ5 في المئة كفرق عمّا تدفعه شركات التأمين، وذلك مباشرةً من المريض. مع الإشارة إلى أنه، وبحسب القانون، يحقّ للأطباء استيفاء كامل الأجر من المريض، على أن يستردّ الأخير أمواله من شركة التأمين.
وتمثل نسبة 5 في المئة مبلغا صغيرا نسبيا، فعلى سبيل المثال فإن تعرفة الطبيب المسعرة مثلا بـ 25 دولارًا مقابل عمل طبي ما، ستزيد 1.25 دولار، ليصبح المجموع 26.25 دولارًا بدلاً من 25 دولارًا، مما يعكس زيادة طفيفة لكنها مهمة لتعويض الفرق في التعرفة.
أخذًا في الاعتبار واقع المؤمنين في لبنان، يؤكد نقيب الأطباء في لبنان الدكتور إيلي شلالا أن النقابة ستطلب من الأطباء الإكتفاء بنسبة 5 في المئة نقدًا بدلًا من كامل قيمة الأعمال الطبية التي يقومون بها، مع العلم أن مستحقات الأطباء من شركات التأمين لا تُسدَّد إلا بعد نحو سنة.
