في العام 2017، يصعد “بخار” خمرة الانتعاش الوهمي الذي كان يعيشه لبنان إلى رأس موظفي القطاع العام. يقلّبون دفاتر حساباتهم على عجل، ويخلصون إلى أنهم يستحقون حصةً من النمو المزعوم. ترضخ السلطة تحت ضغط الشارع والإضرابات، وتُقِرّ سلسلة الرتب والرواتب الشهيرة. في العام التالي، تُسجَّل أكبر موجة من السياحة الصادرة، وينفق اللبنانيون على الترفيه في الخارج، بحسب أرقام مصرف لبنان، 6.5 مليارات دولار، مثّلت آنذاك 11% من الناتج المحلي الإجمالي. اليوم، وبعد طيّ عقدٍ مرهقٍ ماليًا، يعود الموظفون إلى محاولة تجريع الاقتصاد كأسَ السمّ نفسه.
“نطالب بزيادة الرواتب لنبقى على قيد الحياة، لا لنتبغدد”، يقول موظف. “رواتبنا ما زالت تخسر 50% من قيمتها رغم الزيادات المُحقَّقة. كل الإضافات، بما فيها الرواتب الثلاثة عشر، والحوافز، والإنتاجية، وبدلات المحروقات، لا تدخل في صلب الراتب. والتعويض ما زال يُحتسب على أساس سعر الصرف البائد 1500 ليرة، وهو لا يساوي ثمن الحقيبة التي يوضع فيها. الأسعار ترتفع باطراد، ونسبة التضخم تسجّل 17.5% بحسب أرقام الإحصاء المركزي”. فـ”عن أيّ سمّ يتحدّثون ونحن نموت يوميًا ألف ميتة؟”، يضيف غاضبًا. “سوف نشلّ الدولة بالإضرابات والاعتصامات والمظاهرات، إن لم نتقاضَ الرواتب الستة الإضافية التي أقرّتها الحكومة في منتصف شهر شباط الماضي”.
مصادر التمويل
لا يخطئ الموظفون في القطاع العام إذا ارتكبوا، في زمن النمو والاستقرار المزعوم، فعلَ رفع المداخيل؛ فقلّةٌ، في ذلك الوقت، كانت تعلم بحقيقة الوضعين المالي والنقدي، وظلّت صامتةً لأغراض خبيثة. لكنهم يخطئون بالتأكيد من خلال الإصرار على استعمال الأدوات نفسها لرفع الرواتب في زمن الانهيار.
الاقتصاد يَقرأ زيادة ضخ الليرات، طلبًا على الدولار، سواء استخدمت للترفيه أو شراء المأكولات. وفي ظل تراجع الفائض في الإيرادات العامة بأكثر من 40% خلال شهر آذار وحده، بحسب تصريح صحافي لوزير المالية ياسين جابر، وعدم إقرار زيادة الضريبة على القيمة المضافة بنسبة 1%، فإن إعطاء زيادة تُقدَّر قيمتها بأكثر من 70 ألف مليار ليرة سنويًا (بين 700 و800 مليون دولار) يوجب أحد الحلول الثلاثة:
- السحب من إيداعات الدولة في الحساب رقم 36 لدى مصرف لبنان، والذي يحتوي على 9 مليارات و240 مليون دولار.
- الطلب من مصرف لبنان تمويل الزيادة من خلال سلف خزينة.
- تأمين موارد خاصة بهذه الزيادة.
لا إنفاق من الليرات القديمة
الحلول الثلاثة أحلاها مُرّ. صحيح أن ادّخارات الدولة تكفي لتمويل الزيادة وأكثر، إلا أن ذلك يخالف السياسة النقدية التي حافظت على استقرار سعر الصرف منذ منتصف عام 2023، والتي تقوم على تدوير الليرات؛ فما يُدفع من ضرائب ورسوم بالليرة يُعاد ضخه في السوق لشراء فائض الدولارات. وقد حدّت هذه العملية من طباعة العملة الوطنية، وساعدت على خفض الكتلة النقدية (M0)، وحافظت على استقرار سعر الصرف من دون أي كلفة على الدولة. والأهم أنها مهّدت الطريق لإقرار قانون الفجوة المالية، وإعادة أموال المودعين، وإقفال واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في الاقتصاد.
وفي حال العودة إلى ضخ الليرات المخزّنة في السوق، بالتوازي مع تقلّص توفر الدولار نتيجة تراجع التحويلات، وانعدام السياحة، وغياب الاستثمارات والمساعدات، فإن خطر تدهور سعر الصرف يزداد. وبالتالي، فإن كل ما يناله الموظفون من زيادات سيعودون لدفعه تراجعًا في القدرة الشرائية لمداخيلهم نتيجة التضخم. وسيعود الاقتصاد ليدخل في الحلقة المفرغة نفسها: زيادة في الرواتب تولّد التضخم، والتضخم يولّد المزيد من المطالبات، وهكذا دواليك.
أما الحل الثاني، المتمثل بسلف من مصرف لبنان، فيعطي المفعول نفسه من الناحية النقدية، إلا أنه يواجه رفضًا قاطعًا من مصرف لبنان، الذي تخطّى سياسة طباعة الليرات لتمويل الدولة، نظرًا لما رافق هذه السياسة خلال السنوات الماضية من نتائج بالغة السلبية.
التضخم يبطئ إجراءات التمويل
وفيما يتعلق بالحل الثالث، فهو يقوم على تأمين الزيادة من ليرات جديدة، كما أقرت الحكومة، وذلك من خلال فرض رسم على صفيحة البنزين بنحو 300 ألف ليرة، ورفع الرسم على كل مستوعب في المرافئ البحرية إلى ما بين 50 و75 دولارًا، وزيادة الضريبة على القيمة المضافة بنسبة 1% لتصبح 12%. إلا أن مشكلة هذا الحل لا تنحصر في عدم استكمال آليات التمويل؛ إذ لم تُقرّ بعد زيادة الضريبة على القيمة المضافة بقانون، كما أن الرسوم على البنزين والمستوعبات لا تؤمّن أكثر من 300 مليون دولار، بل تمتد إلى عدم ملاءمته للظروف التي يمر بها الاقتصاد.
فبين شباط ونيسان، ارتفعت أسعار المحروقات بأكثر من 60%، من 17 دولارًا إلى 27 دولارًا، وتراجع الاستهلاك، بحسب مصادر أصحاب المحطات، من 400 ألف صفيحة شهريًا إلى أقل من 300 ألف صفيحة. كما ارتفع مؤشر أسعار المستهلك بنسبة 4%، ما رفع التضخم إلى 17.5%. وبذلك، يصبح من شبه المستحيل إقرار زيادة الضريبة على القيمة المضافة، ما يحول دون إتمام الإيرادات اللازمة لإعطاء الزيادة. وفي جميع الحالات فإنه سيترتب على إتمام آليات التمويل ارتفاعٌ في الأسعار، وبالتالي تقليصٌ في الفائدة من الزيادة، وتحميلُ الشعب اللبناني كلفتها بأضعاف مضاعفة.
الحل بإعادة هيكلة القطاع العام
تعقّد المشهد لا يعني بالضرورة إلزام الموظفين برواتب متدنية لفترات طويلة. فتوسيع بيكار الحل يشمل إجراءين غير ملحوظين: الأول، إعادة هيكلة القطاع العام، بما يتضمنه ذلك من تخفيض في عدد الوظائف ليتناسب مع حجم لبنان. ومن البديهي أن خفض أعداد الموظفين سيعيد توزيع المداخيل المقدّرة سنويًا بنحو 3 مليارات دولار على شريحة أقل، ما يؤدي إلى زيادة تلقائية في الرواتب تفوق ما يُطالب به حاليًا. أما الإجراء الثاني، فهو السير من دون قفازات في الإصلاح الضريبي الشامل ومكافحة الفساد.
طالما أن هذين الحلّين لا يزالان من المحرّمات، ومطوّقين سياسيًا من جميع الجهات، بما فيها شريحة الموظفين أنفسهم، فإن تكرار تجربة زيادة الرواتب قبل تنفيذ الإصلاحات سيعيد إنتاج المشهد نفسه، ولكن مع مأساة أكبر.
