لبنان تحت ضغط اقتصادي جديد نتيجة العقوبات الأميركية على الصين

الصين

في عالمٍ تحوّل إلى ما يشبه القرية الكونية، أصبح لكل تفصيل تأثير، مهما بعدت مسافته الجغرافية. وإن كانت حدّة هذا التأثير تخفت تبعًا لمكانة الدول السياسية والعسكرية والاقتصادية، فإن الدول الضعيفة، ومنها لبنان، تظل سريعة العطب. والمثل الدال على حجم التأثر بالمتغيرات الجيوسياسية، منذ أيام السلطنة العثمانية: «إن حبلت إسطنبول تخلّف بيروت»، ما زال ساري المفعول، ولكن بأبعاد جديدة تمتد إلى سور الصين العظيم.

قبل أيام قليلة، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على ثلاث شركات صينية، بتهمة تقديم دعم تقني لإيران. فنشرت شركة “مينتروبي تكنولوجي”، المعروفة باسم “ميزارفيجن”، صورًا مفتوحة المصدر تكشف تفاصيل تتعلق بالأنشطة العسكرية الأميركية خلال عملية “الغضب الملحمي”، بحسب بيان وزارة الخارجية. كما زوّدت شركة “ذا إيرث آي” إيران بصور أقمار اصطناعية، فيما جمعت “تشانغ غوانغ” بيانات تخص القوات العسكرية الأميركية وقوات حليفة لها، بناءً على طلب من طهران. وقد ساعدت هذه المعلومات في شنّ ضربات عسكرية ضد القوات الأميركية في الشرق الأوسط.

كيف يتأثر لبنان؟

حتى الآن، يبدو الخبر فضفاضًا ولا يتعلق، من قريب أو بعيد، بلبنان. إلا أن التعمق فيه يُظهر أن بيت القصيد هو اعتزام الإدارة الأميركية إحكام الضغط الاقتصادي على إيران من الجهة التي تؤلمها أكثر، والمتمثلة في علاقتها مع الصين، يقول خبير المخاطر المصرفية والباحث المقيم لدى كلية سليمان العليان لإدارة الأعمال في الجامعة الأميركية، الدكتور محمد فحيلي. ويضيف: «مع كل تشديد اقتصادي على إيران، تُصاب مفاصل الدول التي تمتد إليها أذرعها، وأبرزها حزب الله اللبناني، باختلالات شديدة».

من الواضح أن الضغط على بكين، بوصفها الشريك الاقتصادي الأكبر لطهران، والمستهلكة لنحو 90% من نفطها، والمزوِّدة لها بأدوات المعرفة الحديثة التي تساهم في فك العزلة التكنولوجية عن إيران، سيؤدي إلى مزيد من الضغوط الاقتصادية على طهران، وبالتالي على لبنان. وبحسب فحيلي، فإن إصرار حزب الله على الوقوف إلى جانب إيران، ووجود شبهات قوية حول محاولاته الالتفاف على العقوبات المفروضة عليه وعلى طهران، عبر قنوات تبييض الأموال وتمويل ما تصفه الخزانة الأميركية بالإرهاب، سيؤدي حتمًا إلى تشديد إضافي على لبنان.

هذا الواقع سيدفع المصارف المراسلة إلى مزيد من التدقيق في العمليات المصرفية العابرة للحدود، سواء تلك المتجهة من الداخل إلى الخارج أو بالعكس. ورغم الأزمة الاقتصادية التي يعيشها لبنان، فإنه لا يزال يستورد بضائع وسلعًا من الخارج بأكثر من 20 مليار دولار سنويًا، ما يدل على حجم تعاملاته الكبيرة مع الأسواق الخارجية. كما يستقبل تحويلات تتجاوز 6 مليارات دولار، وينتظر دعمًا دوليًا ماليًا للمساعدات الاجتماعية وإعادة الإعمار. وكل هذه المسارات قد تصبح أكثر تعقيدًا، وربما تتعرض للتعثر، مع ازدياد التدقيق في معاملاته العابرة للحدود، ولا سيما من جانب المصارف المراسلة. ومن البديهي، في مثل هذه الحالات، أن ترتفع كلفة التحويلات وخطابات الاعتماد، وأن تزداد الأسئلة والاستفسارات وطلبات التثبت من المستندات.

«العقوبات الأميركية على الصين لا تعني أن حياد لبنان»، يؤكد فحيلي، فما دام حزب الله مساندًا لإيران، والأخيرة في عين العاصفة الأميركية، فإن لبنان سيتأثر حتمًا. وسيظهر الضغط الأكبر من خلال العمليات المصرفية العابرة للحدود، والعلاقة مع المصارف المراسلة».

اللائحة الرمادية وميوعة الإجراءات الرادعة

وما يزيد الطين بلّة هو إدراج لبنان على القائمة الرمادية الخاصة بتبييض الأموال وتمويل الإرهاب، من قبل «مجموعة العمل المالي»، إضافة إلى تعثر القطاع المصرفي، ما حدّ من قدرة مواجهة الاقتصاد النقدي وتعزيز الشمول المالي. يضاف إلى ذلك مرور لبنان بـ « مرحلة بالغة الصعوبة، حيث تراجع عدد المصارف التجارية التي كانت تؤمّن العمليات العابرة للحدود من 50 مصرفًا قبل عام 2019، إلى نحو 10 مصارف، بعد التعثر غير المنظم. من ثم انخفض إلى أقل من عدد أصابع اليد الواحدة، بالتوازي مع ازدياد الضغوط على المصارف وضعف قدرتها على الاستجابة لطلبات المصارف المراسلة».

كلما ضاقت مسارات التعامل مع الخارج، وتراجعت القدرة على تأمين العمليات المصرفية العابرة للحدود، اتجه الاقتصاد أكثر نحو اقتصاد الظل، وازداد التعرض للعقوبات. وهذا ما يستوجب من الدولة إيلاء الملف الاهتمام اللازم، برأي فحيلي، لأن المشكلة لا تكمن في أداء المصارف فقط، بل تمتد إلى القضاء، والكتّاب العدل، وتجار المجوهرات والعقارات، وغيرها من القطاعات. فالمطلوب لا يقتصر على إصدار التشريعات، بل يتطلب أيضًا إحكام آليات التطبيق وتعزيز الملاحقات والمحاسبة.

إزاء هذا الواقع، لم تُتخذ محليا الخطوات الجدية لمكافحة تمويل الإرهاب وتبييض الأموال من بعد الإدراج على اللائحة الرمادية الخاصة بتبييض الأموال وتمويل الإرهاب في تشرين الأول 2024، والدليل: إعادة وضع لبنان بعد أشهر طويلة، وتحديدًا في آب 2025، على لائحة الدول عالية المخاطر لدى الاتحاد الأوروبي.

اليوم، ومع ارتفاع منسوب العقوبات على إيران والدول الداعمة لها، فإن التداعيات على لبنان تتزايد، إذ إن كل «عقوبة تصدر عن الإدارة الأميركية ضد أي كيان مرتبط بإيران تنعكس بصورة أو بأخرى على لبنان، عبر علاقته بـ«حزب الله»، بحسب فحيلي. ومن هنا، يتوجب على الدولة اتخاذ إجراءات رادعة وتحصين الوضع الداخلي قبل مواجهة ما لا قدرة للبنان على تحمله.