شهدت أسعار الذهب في الأيام الأخيرة تراجعاً نسبياً، وإن لم يكن دراماتيكياً حاداً، غير أنه قد يُؤشّر إلى اتجاه معين في المرحلة المقبلة. يأتي هذا التراجع في وقت تمكّن فيه الدولار الأمريكي من الحفاظ على مكاسبه لنحو ستة أسابيع متتالية، مسجّلاً ارتفاعاً ملحوظاً في أسواق الصرف مقابل سائر العملات.
يُعدّ الذهب أصلاً احتياطياً بامتياز، إذ يلجأ إليه المستثمرون للتحوط من المخاطر، إلا أنه لا يُدرّ عوائد دورية على حامله، خلافاً للسندات والأسهم وسائر الأصول التي تمنح أصحابها عوائد شهرية أو سنوية أو نصف سنوية. ويرتبط الذهب تاريخياً بعلاقة عكسية مع الدولار الأمريكي؛ فكلما ارتفعت قيمة الدولار أو اتجهت أسعار الفائدة نحو الارتفاع، تراجع الطلب على الذهب، وأقبل المستثمرون على شراء السندات الأمريكية المقوّمة بالدولار لما تتيحه من عوائد مرتفعة نسبياً.
تلجأ المصارف المركزية في العالم إلى رفع أسعار الفائدة أداةً رئيسيةً لمكافحة التضخم، إذ يُحجم المستثمرون عند ارتفاعها عن الاقتراض لتوسيع أعمالهم، فيما يتجه المدخّرون نحو إيداع أموالهم في المصارف أو اقتناء سندات الخزينة طمعاً في عوائد مجزية، مما يُقلّص الكتلة النقدية المتداولة ويُخفّف الضغوط التضخمية. وقد أفضت أزمة كوفيد-19 إلى رفع أسعار الفائدة من مستويات سلبية في بعض الدول الأوروبية إلى نحو 5.5% في الولايات المتحدة. وبعد تراجع حدة الأزمة، شرع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في خفض الفائدة تدريجياً حتى استقرّت عند نحو 3.75%. غير أنّ عودة التضخم مجدداً بفعل التوترات الجيوسياسية، وإغلاق مضيق هرمز، وارتفاع أسعار النفط، وتعقّد سلاسل الإمداد، دفع المصرف المركزي الأوروبي نحو رفع محتمل لأسعار الفائدة، فيما يميل الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى تثبيتها في أدنى الأحوال. يُشجّع هذا المناخ أصحاب رؤوس الأموال على الاستثمار في الدولار أو السندات الأمريكية، مما يُضعف الطلب على الذهب ويدفع سعره إلى التراجع وفق قوانين العرض والطلب.
تؤدي التصريحات السياسية دوراً بالغ الأثر في تحريك الأسواق المالية، إذ لا تنتظر الأسواق صدور القرارات النهائية، بل تتحسّب للتوقعات المستقبلية وتتفاعل معها. وقد جلّت هذه الظاهرة في تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن مضيق هرمز؛ فكلما أوحت تصريحاته بإمكانية فتح المضيق، هوت أسعار النفط، وكلما تصاعدت نبرة التعقيد، ارتدّت الأسعار إلى الارتفاع. ويحرص ترامب على التصدي للتضخم وخفض أسعار الفائدة، وقد خاض في هذا الشأن صراعاً مطوّلاً مع رئيس الاحتياطي الفيدرالي السابق جيروم باول، قبل أن يُعيّن كيفن واش رئيساً جديداً للاحتياطي، ويُعوّل عليه في تخفيض الفائدة. وتجدر الإشارة إلى أن الأسواق تتفاعل مع الأحداث والخطابات، لكنها تستجيب بصورة أقوى حين تتحوّل التوقعات إلى وقائع فعلية، وتخرج من دائرة الشائعات والتطمينات.
تتشابك المعطيات الجيوسياسية اليوم على نطاق واسع، ولا تقتصر على منطقة الشرق الأوسط وحدها، بل تمتد لتشمل الصين وروسيا والقوى الكبرى الساعية إلى إعادة رسم خرائط النفوذ الاقتصادي العالمي. تسعى كل من موسكو وبكين إلى تحجيم هيمنة الدولار من خلال تعزيز التبادل التجاري بعملاتهما المحلية، والتحرر من منظومة الدفع الدولية “سويفت”، وهو ما بات هدفاً محورياً على جدول أعمال تكتل “بريكس” الذي يضمّ الهند والصين وروسيا، ويستحوذ على نحو 50% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وقد دفعت العقوبات الأمريكية كلاً من روسيا والصين إلى بناء أنظمة دفع بديلة للتحرر من قيود الدولار. بيد أن هذه المساعي لم تُفضِ بعد إلى نتائج ملموسة، ولا يزال الدولار يتصدّر العملات العالمية، مستحوذاً على ما بين 60 و65% من المعاملات التجارية الدولية، مستنداً إلى ركيزة البترودولار، أي الاتفاقية التي أُبرمت في سبعينيات القرن الماضي والتي تقضي بتسوية جميع معاملات النفط عالمياً بالدولار.
يتراوح سعر النفط راهناً بين 100 و110 دولارات للبرميل جراء اضطراب الإمدادات العابرة عبر مضيق هرمز، الذي تمرّ من خلاله نحو 25 مليون برميل يومياً. وحتى في حال إعادة فتح المضيق كلياً، يُرجَّح أن يستمر الضغط على أسواق الطاقة لفترة تتراوح بين ستة أشهر وسنة، نظراً لما لحق من أضرار بالمنشآت النفطية في دول المنطقة. في المقابل، نجحت كل من المملكة العربية السعودية والإمارات في تفعيل خطوط نقل بديلة تلتفّ على المضيق، ويُقدَّر أنها قادرة على ضخ ما يقارب 10 ملايين برميل يومياً، مما يُخفّف العجز العالمي ويُهدئ الأسواق نسبياً.
أما على صعيد توجيه الاستثمار، فيبقى تنويع المحفظة الاستثمارية المبدأَ الذهبي الذي يعتمده كبار المستثمرين في العالم، إذ يتجنبون تركيز أصولهم في وعاء واحد، سواء أكان ذهباً أم دولاراً. ويُضاف إلى أدوات الاستثمار التقليدية عنصر جديد يكتسب أهمية متنامية، وهو العملات الرقمية، ولا سيما البيتكوين الذي يحظى بثقة أعلى بكثير مقارنةً بآلاف العملات الرقمية الأخرى التي تكاد تنعدم قيمتها. كما تشهد العملات الرقمية المرتبطة بالدولار كـ”USDT” استخداماً متزايداً في المبادلات التجارية. وخلاصة القول إن توزيع الاستثمارات بين أصول متعددة يظل الخيار الأكثر أماناً ومنطقية في ظل المشهد الاقتصادي العالمي الراهن.