يتطابق الإعلان عن تلزيم “ألفاريز آند مارسال” إجراء تدقيق جنائي في تدخلات مصرف لبنان المالية لصالح القطاعين العام والخاص مع مقولة: “أن تأتي متأخراً خيرٌ من ألّا تأتي أبداً”. فشبهات الفساد التي رافقت هذه التدخلات بين عامَي 2019 و2023؛ دفع المودعون ثمنها من أرصدة حساباتهم؛ لم يكن ليجوز أن تمرّ من دون محاسبة. كما أن فتح الصندوق الأسود، الذي طُمرت فيه عميقاً أسرار الدعم والسلفات العامة والتحويلات المصرفية الخاصة، قد يعوّض المودعين عن جزء ممّا فقدوه، ويُسرّع الاستشفاء من مرض “سرقة العصر” العضال.
بنبرة لا تخلو من التشديد على الالتزام بالأطر القانونية، والتفاؤل بتحقيق خرق في واحد من “أكلف” الملفات المالية، أعلن مصرف لبنان، في بيان، أنّه “بالتنسيق مع وزارة المالية ووزارة العدل، قد استكمل بنجاح، وفقاً لأحكام قانون الشراء العام رقم 244/2021، البتّ بمناقصة تلزيم مشروع: “Forensic audit of selected transactions involving BdL’s foreign assets during the period between October 1st, 2019 and December 31st, 2023″.”
وسيَشمل نطاق التدقيق، بصورة خاصة، ما يلي:
- برنامج الدعم الذي أقرّته الحكومات المتعاقبة آنذاك، والذي تضمّن تحويلات ومدفوعات بلغت قيمتها عدة مليارات من الدولارات الأميركية.
- الأموال التي وضعها مصرف لبنان بتصرّف المؤسسات العامة والهيئات الحكومية.
- التحويلات التي أجراها مصرف لبنان إلى المصارف التجارية عبر تحويلات دولية إلى حساباتها في الخارج.
أتى متأخرا 4 سنوات فيما خص الدعم
هذه المهمة كان يجب إنجازها قبل أربع سنوات. ففي تموز 2021، أقرّ مجلس النواب القانون رقم 240، الذي يرمي إلى إخضاع كل المستفيدين من دعم الحكومة للدولار، أو ما يوازيه بالعملات الأجنبية، للتدقيق الجنائي الخارجي. وأناط هذا القانون، في مادته الرابعة، بوزارتي العدل والمالية اقتراح الآليات المناسبة لوضعه موضع التنفيذ خلال مهلة شهرين، وعرض قرارهما على مجلس الوزراء للتنفيذ. بيد أن هذه الآلية، التي كان يجب أن تُبصر النور في أيلول 2021 كحدّ أقصى، تأخرت حتى حزيران 2025، فأصدرت وزارة المالية القرار رقم 582، الذي نصّ على وضع دفتر شروط نموذجي من قبل كلٍّ من وزارتي المالية والعدل، تمهيداً للتعاقد مع مدقّق جنائي ومالي وفقاً للأصول المرعية الإجراء.
كما يضع مصرف لبنان قوائم مفصّلة بالتجّار الذين استفادوا من دعم الحكومة للسلع المستوردة بالدولار خلال الفترة المحددة في هذا القانون، إضافة إلى تحديد هذه المبالغ، لكي توضع بتصرّف المدقّق المالي والجنائي. والأهم أنّ القرار نصّ على أن تضع وزارة المالية القوائم الخاصة بضريبة الدخل المتوجبة في ذمّتهم، إلى جانب قائمة بالمستندات المتعلقة بالمعاملات الجمركية الخاصة بالبضائع التي استوردها هؤلاء الأشخاص.
التصدي لمحاولات التسويف
لم يكن الوقت وحده ما تطلّبه وضع الآليات التنفيذية، بل أيضاً الكثير من الضغط لوضع حدّ للتسويف في تطبيق القانون 240، إذ ضغطت جمعيات المجتمع المدني، ولا سيّما “ائتلاف من أجل المحاسبة وعدم إفلات الجرائم المالية من العقاب”، الذي يضمّ “كلّنا إرادة” و”لا فساد”، والجمعية اللبنانية لحقوق المكلّفين، والمفكرة القانونية، ومرصد حقوق المودعين، ومرصد الوظيفة العامة والحكم الرشيد في جامعة القديس يوسف. كما جرى التعاون مع النائبة حليمة قعقور، التي وجّهت سؤالاً إلى الحكومة، إلى أن أصدرت وزارة العدل، في حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، ما يشبه القرار التطبيقي، إلّا أنّه لم يكن على قدر المطلوب.
أهمية القرار
في النهاية، وصلنا إلى وضع المراسيم التطبيقية للقانون، فما الذي يُرتجى منها؟
بداية، هناك وضعان مختلفان للدعم الذي حصل:
- الأول، استعمال الدعم لتحقيق أرباح غير مشروعة من دون أن يصل إلى مستحقّيه، عبر احتكار المواد المدعومة وتهريبها إلى الخارج، أو بيعها في السوق السوداء بسعرها الحقيقي. وكشف هذه العمليات يثبت “المسّ بالمال العام”، بحسب المحامي كريم ضاهر، ومن الممكن استرداد كل المبالغ وفقاً لقانون الإثراء غير المشروع وقانون تبييض الأموال.
- الثاني، استعمال الدعم وفقاً للغاية التي وُجد من أجلها، إنّما بطريقة ملتوية، من خلال تقنين بيع المواد بانتظار ارتفاع الأسعار، فيما كان الدعم يُخفَّض تدريجياً. وفي هذه الحالة، تخضع المبالغ المستفاد منها للضريبة، وفي حال عدم التصريح عنها يُعدّ المستفيد متهرّباً ضريبياً، بحسب ضاهر. أمّا في حال محاولة إخفاء الدخل المحقّق، فيتحوّل الأمر إلى جرم تبييض الأموال.
وعليه، فإنّ وضع الآليات التنفيذية للقانون 240 يُظهر كلّ من استفاد من الدعم من غير وجه حق، لتُطبَّق بعد ذلك عليه القوانين النافذة والمرعية الإجراء. وبحسب مصرف لبنان، ينتظر من هذا التدقيق الجنائي بصورة أساسية التحقق مما يلي:
- أنّ جميع المدفوعات والتحويلات، وسيما تلك المتعلقة ببرامج الدعم، قد جرت بموجب تفويضات وأذونات قانونية ووفقاً للأصول المعتمدة.
- أن الأموال قد وصلت إلى الجهات المستفيدة المصرح لها والمحددة بصورة واضحة.
التشكيك بالقرار في غير مكانه
ترافق القرار مع تشكيك بعض المواطنين والمراقبين في إمكان الوصول إلى أيّ نتيجة. ويُعلّلون فقدانهم الأمل بالنتائج المتواضعة للتدقيق الجنائي السابق الذي أجرته “ألفاريز آند مارسال” للفترة بين 2015 و2019، إذ صدرت مجلّدات بكلفة ملايين الدولارات من دون أن يُحاسَب أحد.
إلّا أنّ الفارق كبير، بحسب ضاهر. فصحيح أنّ التدقيق السابق لم يصل إلى النتيجة المرجوّة، إلّا أنّه أفضى إلى نتائج بالغة الأهمية. فعلى الرغم من عدم نشر نتيجة التحقيق من قبل وزير المالية السابق لأكثر من ستة أشهر، ولم يكن ليُعلَن لولا الطعن الذي تقدّم به الائتلاف أمام مجلس شورى الدولة، والذي ألزم وزارة المالية بنشره، فقد كشف التقرير عن “أوبتيموم” وعمليات الحاكم السابق، وعمليات حساب الاستشارات، كما أفضى إلى ملاحقة بعض الأشخاص المتورّطين والتجاوزات التي حصلت.
النتائج الجزئية في التحقيق السابق بمصائب حسابات مصرف لبنان قد تكون أسهمت في الحدّ من مصيبة أكبر، إذ كان من الممكن أن يُفضي التوسّع في التحقيق إلى إظهار عمليات تجارية وهمية لإخفاء الخسائر، بما يتيح للمدّعين، ولا سيّما في الخارج، استخدام هذه الحجج لاتهام المركزي بالاحتيال، ما قد يُفقده إمكان الاحتماء بالحصانة العامة كمصرف مركزي، ويفتح الباب أمام وضع اليد على أصوله. وعليه قد تكون المصلحة الوطنية قد قضت بعد متابعة كلّ الملفات بالوتيرة السريعة نفسها، من دون أن يعني ذلك عدم إماكانية كشفها لاحقاً عند حلّ مشكلة الودائع.
تحد مخفي
اليوم، يبدو الوضع مختلفاً، إذ إنّ هذا التدقيق سيكشف الأطراف التي استفادت من الدعم من دون وجه حق، ويلاحقها لاسترداد الأموال. إلّا أنّه ينطوي أيضاً على تحدٍّ أساسي يتمثّل في كيفية استخدام هذه الأموال: فهل تستعملها الدولة لتغطية الحاجات الملحّة، من إعادة إعمار وتعويض خسائر الحرب؟ أم يستخدمها مصرف لبنان لردم الفجوة وزيادة التعويضات للمودعين؟
وبغضّ النظر عن كيفية استخدام الأموال التي قد تتأتّى من جرائم الهدر والفساد، فإنّ الأولوية تبقى لتكريس سياسة عدم الإفلات من العقاب واسترداد هذه الأموال، وبعدها لكلّ حادث حديث.
