MEA (2/5): الحصرية سبب في تراجع السياحة

الحصرية

شكّلت الحصرية الممنوحة لشركة طيران الشرق الأوسط – MEA أحد أسباب عزوف السياح عن زيارة لبنان على مدار السنوات الماضية. فالأسعار المرتفعة التي تفرضها “الميدل إيست” – والتي يمكن الاستدلال عليها من خلال مقارنة أسعارها مع بقية شركات الطيران إلى وجهات مماثلة من حيث المسافة والعامل الجغرافي – حرمت الاقتصاد من ملايين الزوار الذين يفضلون الحصول على خدمات السفر بأسعار منخفضة. إذ يفضّل هؤلاء المسافرون تمضية إجازاتهم في دول قريبة منافسة مثل قبرص أو تركيا أو مصر (شرم الشيخ)، نظراً لانخفاض كلفة السفر، خصوصاً بالنسبة للعائلات. وقد فوّت ذلك على الاقتصاد فرصة تحقيق عوائد كبيرة من السياحة.

بعيداً عن السنوات التي أعقبت الانهيار الاقتصادي، تكشف الأرقام أن القطاع السياحي فشل قبل العام 2019 في منافسة الوجهات السياحية الإقليمية المجاورة له. ففي الوقت الذي كانت فيه وجهات قريبة مثل تركيا وقبرص واليونان ومصر وغيرها تعجّ بالسياح، كان عدد السياح في لبنان يتضاءل عاماً بعد آخر. فمن أصل متوسّط مليوني وافد يقصدون لبنان سنوياً، لا تتجاوز نسبة السياح 30 في المئة في الحد الأقصى؛ أمّا الباقي فمغتربون لبنانيون يأتون لبنان ليمضوا الفرص والأعطال ويزوروا عائلاتهم.

فقدان القدرة على استقطاب السياح

وبالأرقام، حلّ لبنان في سنوات ما قبل العام 2019 في المرتبة 16 عربياً من أصل 19 في قدرته على استقطاب السياح القادمين إلى شرق المتوسط وشمال أفريقيا، متفوقاً فقط على كلٍّ من العراق واليمن وليبيا. ولم تتجاوز حصّة البلاد من مجموع القادمين الـ 2 في المئة.

وعليه، يستقطب لبنان 2% من السيّاح مقارنةً بمنافسيه الإقليميين، وهو ما يضعه في مرتبة بعيدة جداً عن جميع دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وفي المقابل، حصدت دول عديدة مثل المملكة العربية السعودية والكويت وإيران وقطر والعراق زيادات في حصتها الإقليمية من السياحة، حيث حازت كل من الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية على الحصة الكبرى من السياحة القادمة بمعدل فاق 18 في المئة للفترة الممتدة بين العامين 2010 و2019.

انعكاس تراجع السياح على القطاعات الخدماتية والإنتاجية

هذا الواقع لم ينعكس سلبياً على القطاعات الخدماتية، إنما أيضاً الإنتاجية. ففقد القطاعان الصناعي والزراعي فرصة رفع الاستهلاك الداخلي بمعدلات كبيرة بسبب ضعف السياحة. وقد فقدت قطاعات صناعية وزراعية صاعدة وواعدة (مثل صناعة النبيذ والمونة البيتية والمنتجات الحرفية) فرصة تسويق مهمة جداً لمنتجاتها، سواء للاستهلاك في الداخل من قبل السياح أو لحملها معهم إلى بلدانهم أثناء عودتهم.

الحصرية سبب من أسباب تراجع أعداد السياح

شكّلت الحصرية المعطاة لـ MEA سبباً من مجموعة عديدة من الأسباب لتراجع أعداد السياح. فالوافدون يضطرون إلى دفع مبالغ مرتفعة على تذاكر الطيران، ما يحدّ من قدرتهم على الإنفاق على الطعام والتنقل وشراء الملابس وزيارة الأماكن السياحية والترفيهية. ويمثّل ذلك خسارة غير مباشرة لمجرد أن ثمة “حماية” لشركة واحدة هي “الميدل إيست” MEA، تفوّت إمكانية وجود طيران تجاري منخفض التكلفة على غرار ما هو معمول به في معظم بلدان العالم، بما في ذلك الدول المجاورة.

وعلى الرغم من ادعاء المسؤولين اللبنانيين أن الخطوط الجوية مفتوحة على لبنان، وأن لبنان يطبق سياسة الأجواء المفتوحة منذ العام 2001، تبقى العديد من الشركات العالمية منخفضة التكلفة التي تهبط في بلدان الجوار ممنوعة من العمل في لبنان، ومنها EasyJet وWizz Air وغيرها.

أكثر من ذلك، “الميدل إيست” بعقد اتفاقيات ثنائية مع بعض شركات الطيران على الوجهات الرئيسية مثل Air France وغيرها للوصول إلى المدن أو المطارات الرئيسية في العالم. ويؤدي ذلك إلى تحويل الاحتكار إلى احتكار ثنائي (duopoly)، ويمنع الشركات منخفضة التكلفة ذات الخطوط المحدودة من القدوم إلى لبنان. وهكذا، يجد المسافرون أنفسهم مقيدين بالشركة الوحيدة أو بديلتها المشابهة، ويضطرون إلى دفع أعلى الأسعار.

الاقتصاد يخسر 8 مليارات دولار في أقل تقدير

الخسائر الناجمة عن الحصرية بين 2001 و2024، تقدر بمليارات الدولارات. فإذا انطلقنا من تقديرات صندوق النقد العربي أن كل زيادة بواقع 1% من العائدات السياحية تساهم في رفع النمو الاقتصادي للدول العربية بنحو 0.36%، فقد خسر الاقتصاد اللبناني 8 مليارات دولار على أقل تقدير، وهو رقم يفوق بثمانية أضعاف الأرباح التي حققتها شركة طيران الشرق الأوسط. وهنا تبرز أهمية السماح لشركات أخرى بالعمل إلى جانب الميدل إيست، وتحفيز شريحة المسافرين التي تبحث عن تذاكر سفر ذات أسعار منخفضة على القدوم إلى لبنان بدل خسارتها لصالح الوجهات المنافسة.