من غير المعلوم على وجه التحديد متى بدأ نعت لبنان بـ«ملك الفرص الضائعة»، لكن الأكيد أن هذا اللقب سيلازمه طويلًا في المستقبل. يكلّف تضييع الفرص الكيانات، سواء كانت شركات أو أفرادًا أو دولًا، الأموال. ويُفسَّر ذلك بمفهوم اقتصادي بسيط يُعرف بـ«تكلفة الفرصة البديلة» (Opportunity Cost)، وتعني ببساطة «ثمن» اختيار طريق على حساب طريق آخر، كما يظهر بوضوح في ملف النفط العراقي.
مرة جديدة، يضيّع لبنان فرصة الاستفادة من سعي العراق إلى إيجاد منافذ لتصدير نفطه بعيدًا عن مضيق هرمز. فاختيار طريق اللااستقرار وتأجيل الإصلاحات حرم الاقتصاد اللبناني من إمكان تفعيل خط كركوك–طرابلس، القائم أساسًا منذ ثلاثينيات القرن الماضي، أو الاستفادة من النقل بالصهاريج. وبالتالي، ضاعت فرصة تحقيق إيرادات تُقدَّر بملايين الدولارات سنويًا.
فرص الاستفادة
تشير المذكرة الموجزة «لماذا يشكّل خط كركوك–طرابلس شريان الحياة الجديد للبنان»، التي أعدّتها رئيسة المعهد المالي عليا مبيض وخبيرة حوكمة الطاقة ديانا القيسي، إلى أنّ المعطيات التاريخية تُظهر أن «حزمة الرسوم»، بما في ذلك رسوم العبور والمناولة والشحن، قد تتراوح بين 0.75 و1.50 دولار للبرميل الواحد.
وبحسب سيناريو تدفّقٍ متوسط يتراوح بين 300 ألف و500 ألف برميل يوميًا عبر الأنبوب، قد يحقّق لبنان إيرادات سنوية إجمالية تتراوح بين 80 مليونًا و275 مليون دولار من تدفق النفط العراقي. وإلى جانب العائدات المالية المباشرة، يعيد هذا المشروع إلى لبنان جزءًا من ثقله الاستراتيجي، ويضعه شريكًا محوريًا في أمن الطاقة لكلٍّ من العراق وأوروبا، الساعية إلى تنويع مصادر الطاقة ومسارات نقلها بعيدًا عن المخاطر الجيوسياسية في الخليج العربي.
قد تتعاظم فرص الاستفادة بشكل كبير في حال إعادة تأهيل المصفاة لتكرير النفط وتصدير مشتقاته. إلا أن المسار الأكثر واقعية للمضي قدمًا يتجاوز تعقيدات عمليات التكرير، ويركّز بدلًا من ذلك على نموذج المحطة التصديرية. فلبنان لا يملك ترف الانتظار، ولذلك توصي المذكرة بأن تبادر الحكومة إلى إطلاق مبادرة ثلاثية تضم العراق وسوريا ولبنان، تمتد 90 يومًا، بهدف جوهري ومحدد يتمثل في إعادة تشغيل المرحلة الأولى من عمليات التصدير.
تفويت الفرصة
صدرت هذه المذكرة فائقة الأهمية في آذار الماضي، لكن، وكما يقول المثل الشعبي: «لو بدها تشتي كانت غيّمت». فبعد مرور الأشهر الثلاثة، لم يبرز أي مؤشر ملموس إلى إمكان إعادة تفعيل خط كركوك–طرابلس للتصدير، بل على العكس، شهدت الفترة نفسها تطورين لافتين لا يصبان في مصلحة لبنان.
- الأول، إطلاق مشروع مدعوم أميركيًا لإحياء خط أنابيب كركوك–بانياس، المتوقف منذ ثمانينيات القرن الماضي. فقد اتفق الجانبان العراقي والأميركي على المضي قدمًا في تنفيذ مذكرة التفاهم الموقعة مع شركة TI Capital لإعادة تأهيل الخط، الذي يُعد أحد أقدم وأهم مسارات تصدير النفط العراقي عبر سوريا إلى البحر الأبيض المتوسط.
- الثاني، اعتماد العراق على تصدير شحنات من النفط الخام والفيول الثقيل برًا عبر سوريا بواسطة صهاريج ضخمة، تمهيدًا لتخزينها ثم ضخها عبر ميناء بانياس النفطي على البحر الأبيض المتوسط.
المشترك بين المشروعين أنهما لا يتضمنان لبنان، لا من قريب ولا من بعيد، كما تلفت المحامية المتخصصة في شؤون الطاقة كريستينا أبي حيدر. وعلى الرغم من التواصل الذي جرى مؤخرًا بين الجانبين العراقي واللبناني، والتأكيد على تعزيز التعاون النفطي وإحياء مشروع خط النفط إلى شمال لبنان، فإن الأقوال لم تُترجم بعد إلى أفعال.
المطلوب داخليا
وبرأي أبي حيدر، ينبغي على الحكومة اللبنانية إعادة التواصل مع العراق بهدف ضم لبنان إلى خريطة الدول التي يُصدَّر النفط عبرها برًا، على الأقل في حال لم يكن خط الأنابيب جاهزًا بعد. فالموقع الاستراتيجي للبنان، إلى جانب قدراته اللوجستية وجهوزية مرافئه البحرية، يتيحان تفريغ النفط المنقول برًا إلى خزانات التخزين، ومن ثم نقله إلى الناقلات النفطية تمهيدًا لتصديره إلى أوروبا.
هذا في المرحلة الأولى. أما المرحلة الثانية، فتفترض العمل على ثلاثة خطوط متوازية:
- الانتهاء سريعًا من تأهيل خط الأنابيب، الذي يمكن أن تصل قدرته الاستيعابية إلى 900 ألف برميل يوميًا.
- تأهيل مصفاة البداوي ورفع قدرتها الاستيعابية بما يتناسب مع كميات النفط المضخوخة.
- توسيع مرافق التخزين في شمال لبنان وتجهيزها، ولا سيما أن البنى التحتية مهيأة أساسًا لهذا النوع من المنشآت.
تشهد مصالح الدول، ولا سيما في مجال النقل، تزايدًا في التشابك بعد أزمة هرمز، حيث تحوّل ضمان سلاسل التوريد إلى همّ استراتيجي. لكن أياً من هذه المسارات لا يمر عبر لبنان، رغم موقعه المميز وإمكاناته الكبيرة التي جرى الاستفادة منها في الماضي. ويدفع ذلك إلى ضرورة مراجعة جدية لدور لبنان في المنطقة، قبل أن يفوّت فرصه نهائيًا.
