ينطبق على ما آلت إليه الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء المثل الشعبي: “يا مستعجل وقّف لقلك”. ففي واحدة من أعقد الظروف وأكلفها التي يمر بها قطاع الطاقة، وأكثرها حاجة إلى الإسراع في إصلاحه وفتحه على المنافسة، “فرطت” الهيئة المعنية بتنظيم القطاع وتطويره. فبعد أقل من سنة على تشكيلها، تقدم رئيسها، مروان جمال، باستقالته. وتم اعتبار العضو المتفرغ فيها، هنري ضاهر، بحكم غير المباشر للعمل، مستقيلاً حكماً.
منذ صدور مرسوم تعيينها في 11 أيلول، ولتاريخه، كانت الهيئة الناظمة وكأنها غير موجودة. “بلعت لسانها” ووقفت كشاهد الزور على فشل وتخلف قطاع الكهرباء ومركزيته القاتلة. التحجج بانشغالها بوضع نظامها الداخلي سقط بعد مرور أشهر طويلة من دون ظهور أي نتيجة فعلية. والتذرع بالظروف القاهرة التي يمر بها البلد فضحته اجتماعاتها عن بُعد عبر تقنية Video Call، نظراً لوجود رئيسها خارج البلد، وعدم أخذ واحد على الأقل من أعضائها الخمسة عمله بجدية. فيما قد يكون البقية صُدموا بالواقع المعقد للكهرباء تقنياً وسياسياً، بعدما اعتبروا الانخراط به رحلة صيف وردية برواتب خيالية.
التعيين المعيوب
استقالة رئيس الهيئة و”صرف” أحد أعضائها يمثلان إدانة لهما أولاً، ولمن رشحهما ثانياً، يقول منسق سياسات الشراكة مع القطاع العام في المعهد اللبناني لدراسات السوق LIMS، غسان بيضون. فمن الجلي أن بعض المعينين لم يكونوا جديين، ويفتقدون إلى المعرفة العميقة ببيئة العمل وطبيعة القطاع وتحدياته والمطلوب تحقيقه. من الجهة الأخرى، تمثل هذه الاستقالة السريعة، قبل حتى المباشرة بالعمل، إدانة لمن دفع المرشحين إلى التقدم إلى الهيئة. فهذه “الدفشة” أتت، على ما ظهر، بعيدة عن الأخذ بعين الاعتبار معايير الكفاءة المتصلة بالقطاع نفسه، والأهم أنها تجاهلت عوامل أبعد ما تكون عن التقنيات، وتتصل بتوافر الإمكانات الشخصية، ووجود الرغبة والإرادة الصلبة، وتوافر الوعي والإدراك الكافيين للانخراط في العمل العام، الذي يبقى خدمة للمجتمع والبلد أكثر بما لا يقاس من كونه منفعة أو عملاً خاصاً (Business)، مهما كانت مخصصاته وامتيازاته كبيرة.
تكرار المكرر؟
أخطر ما كشفته هذه الكبوة في الهيئة الناظمة للكهرباء أن معايير الاختيار ما زالت شخصية. وهي دائماً ما تدور في فلك المعارف والأقارب ومحاولة إدخال المحسوبين للانتفاع من مقدرات الدولة، بدل إفادة الأخيرة من القدرات الفردية والجماعية التي يمتلكها المرشحون إلى هذه المراكز. وبدلاً من التعلم من الدرس السابق، علم موقع Lebanon Matters من مصدر حكومي فضل عدم الكشف عن اسمه أن آلية طرح المرشحين لمنصب رئيس الهيئة وأحد أعضائها لم تشذ عن الطريقة الماضية، لجهة تسمية أحد الوزراء شخصية محسوبة حزبياً تفتقد إلى الكفاءة المطلوبة، على حساب الكفاءة الفردية المطلوب توافرها. وهو الأمر الذي دفع إلى تأجيل طرح الموضوع على جلسة مجلس الوزراء المنعقدة اليوم إلى الجلسة اللاحقة، إلى حين اختيار المرشح المناسب، كي لا تتكرر تجربة الفشل التي حكمت الهيئة طوال الفترة الماضية.
الاستقصاء أكثر عن تسمية المرشحين وآلية التعيين يُظهر إغفال طلبات ترشيح لأسماء كفوءة بعيدة عن دائرة المحسوبيات، وتزكية أسماء لرئاسة الهيئة لطالما دارت في فلك المنظومة القائمة والتغطية على الصفقات قديما. فمعايير الاختيار والتفكير والترشح غير موضوعية، وهناك مرشحون قدموا ملفاتهم ولم تُعرض، فاستغربوا وراجعوا الجهات المعنية من دون أن يصلوا إلى نتيجة. في المقابل، برزت ترشيحات لأشخاص لا علاقة لهم بالقطاع، ليُعاد الوقوع في المشكلة نفسها التي وقعت فيها الهيئة القديمة.
وجود الهيئة أكثر من ضروري
خلافًا لكل ما يُشاع عن فقدان الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء، المُقرة بالقانون 462 قبل 24 عامًا، دورها، يؤكد غسان بيضون أن عمل هذه الهيئة ما زال يقع في صلب تطوير قطاع الكهرباء، ولا سيما لجهة فتحه على المنافسة وتطبيق أحكام القانون التي تشرّع اللامركزية وخصخصة إنتاج وتوزيع الكهرباء.
يُضاف إلى ذلك أن من أبرز التطورات التي استجدت انتشار وتوسع الطاقة الشمسية والبديلة. فالمواطنون والمؤسسات ينتجون للاستعمال الخاص أكثر من 1500 ميغاواط، تمثل ثلث حاجة الاقتصاد. وهو ما يدفع بيضون إلى القول إنه، في ظل هذه المرحلة الانتقالية، الموازية لاشتداد أزمة الكهرباء وثقلها على المؤسسات والمواطنين، تبقى الحاجة ماسة إلى تأمين إنتاج بكلفة أقل وتعرفة أدنى، تريح القطاعات الاقتصادية التي أصبحت كلفة الكهرباء تشكل عليها عبئًا كبيرًا يحول دون المنافسة، ولا سيما في الخارج، وتعزز القطاع السياحي وقدرة الموازنة العامة على تحمل فاتورة الكهرباء. ومن المفترض بحسب بيضون أن تلعب الهيئة الناظمة دورًا محوريًا في تحسين الإنتاج وتخفيض الكلفة، بعدما وصلت إلى أرقام خيالية ترهق الموازنة العامة وتثقل جيوب المواطنين، وتهدد باستمرار الفساد والإفساد في قطاع الكهرباء.
إزاء كل ما تقدم، هناك حاجة ملحة لتفعيل الهيئة الناظمة، وألا يقتصر الأمر على تشكيلها فقط، إنما تفعيلها لنقل الكهرباء إلى اللامركزية. وذلك على غرار كهرباء جبيل وزحلة، حيث لكل نطاق حدوده التقنية، ويمكن ضمن هذا النطاق الأقل اتساعًا بكثير من كهرباء لبنان ضبط الاعتداءات والسرقات، وتسريع التحصيل، وتأمين الكهرباء بكلفة أقل، وخصوصًا إذا كان الإنتاج قائماً على الطاقة الشمسية، بحيث تكون التعرفة أقل عبئًا بكثير.
