ضريبة “غبّ الطلب” حين يصبح الحرير الطبيعي ملوثًا.. سلام على العدالة الضريبية

ضريبة

استعار المقرر المالي اللبناني فلسفة «الحاجة أم الاختراع» لابتداع ضريبة جديدة تُشبع متطلبات الدولة النهمة. فبعد الضريبة على البنزين، ورفع ضريبة القيمة المضافة، والرسم على الحاويات، تفتقت العبقرية عن زيادة الرسوم على المواد المنتجة للنفايات. فلم توفِّر سلعةً، نهائيةً كانت أم وسيطة، من زيادات تراوحت بين 1 و3%. ولم يسلم حتى الحرير الطبيعي من هذه الضريبة القيمية.

في 22 أيار الماضي، وافق مجلس الوزراء على اقتراح وزيري المالية والبيئة، وبعد استشارة مجلس شورى الدولة، تعديل الرسوم على المواد المنتجة للنفايات. وما هي إلا أيام حتى صدر في الجريدة الرسمية المرسوم رقم 3214، الذي ينص على رفع الرسم المالي على بعض المنتجات، بنسبة تتناسب مع كمية أو نوعية النفايات الناتجة خلال تصنيعها أو جراء استخدامها. وطال جدول المواد المرفق 98 فصلًا، تضمن مئات السلع الجاهزة والوسيطة التي تدخل في عملية التصنيع، بدءًا من الحيوانات الحية، مرورًا بالخضراوات والنباتات، وصولًا إلى المعادن والمواد النفطية والبلاستيكية.

الزيادة لا توفر سلعة

على الرغم من ادعاء المرسوم أن بعض السلع فقط ستطالها الزيادات، فإن القراءة التفصيلية للمواد المدرجة تُظهر أنها تشمل مختلف أنواع وأشكال السلع الوسيطة والنهائية. ولم يميز المرسوم بين السلع التي تتسبب مباشرة وبكميات كبيرة في إنتاج النفايات، كاللدائن والزيوت والجلود، وبين السلع التي تتحول مخلفاتها إلى أسمدة عضوية، كالنباتات. كما لم يأخذ في الاعتبار السلع المعمرة، كالمفروشات، التي قد تدوم عقودًا قبل أن تتلف، فضلًا عن كثير من السلع الأخرى التي قد تتحول إلى نفايات أو لا تتحول إليها إذا أُعيد استخدامها. كذلك، لم يميز بين السلع القابلة لإعادة التدوير، التي لا ينتج عنها تلوث أو نفايات تُذكر، حتى خلال مراحل تصنيعها، كالحرير الطبيعي مثلًا.

الإشباع الضريبي

هذا من حيث الشكل، أما في المضمون، فإن الخلل يتحول إلى خلل مبدئي، لا إلى مجرد خطأ في طريقة الحساب. فالزيادة على المنتجات، التي تتراوح بين 1 و3%، سترفع الكلفة على المؤسسات الإنتاجية التي تعاني أصلًا من ارتفاع أكلاف الطاقة، وانعدام البنية التحتية، والبيروقراطية الإدارية، ما سيحد من قدرتها التنافسية في الأسواق الداخلية والخارجية. كما أنها ستنتقل، بطبيعة الحال، إلى المستهلك النهائي، الذي يرزح أصلًا تحت وطأة تراجع المداخيل وتآكل القدرة الشرائية، مع وصول معدلات التضخم إلى أكثر من 20%.

الأخطر أن هذه الضريبة الجديدة ستُفرض على سلع وسيطة تؤثر في كلفة النقل وأسعار مختلف المنتجات، وفي مقدمتها المحروقات. فهي تضيف 2% إلى سعر صفيحة البنزين، ما يرفع ثمن صفيحة العشرين لترًا بنحو 46 ألف ليرة، ويحد من انعكاس تراجع أسعار النفط العالمية على أسعار البنزين محليًا، بحسب ممثل نقابة موزعي المحروقات، فادي أبو شقرا. ويُضاف هذا الرسم الجديد إلى أكثر من 600 ألف ليرة من الرسوم والضرائب المفروضة على صفيحة البنزين، ما يثقل كاهل المواطن والدولة، التي تتحمل أيضًا كلفة النقل.

المشكلة في الإنفاق

السؤال المحوري هو: لماذا هذه الزيادة؟ الأكيد أنها ليست ضريبة لمكافحة التلوث كما ورد في الأسباب الموجبة، وإنما لزيادة إيرادات الدولة والسماح لها بالإنفاق، حيث يشترط صندوق النقد الدولي عدم إقرار أي نفقة جديدة إلا مقابل إيراد جديد. وعلى هذا المنوال، سننتظر الكثير من “الإبداعات” في استحداث إيرادات جديدة لتأمين نفقات يذهب أكثر من 70% منها إلى الإنفاق التشغيلي، بين رواتب وأجور ومصاريف مؤسسات الكهرباء والمياه وغيرها.

لا يمكن الاستمرار بهذا النهج طويلًا. فإمكانية الوصول إلى مرحلة “الإشباع الضريبي“، حيث تتراجع الإيرادات الضريبية مهما زادت النسب والرسوم لم تعد بعيدة. وتبعًا لمنحنى لافر، تصبح الزيادة في الضرائب غير مجدية عندما تتجاوز الدولة المعدل الضريبي الأمثل، وقد تؤدي إلى انخفاض الحصيلة الضريبية بدلًا من زيادتها. لذلك، فإن الحل ليس بزيادة الإيرادات، وإنما بتخفيض إنفاق القطاع العام، وذلك من خلال الشراكة مع القطاع الخاص، والتخفف من عبء المؤسسات المكلفة والفائضة، وجيوش العمال الذين يكلفون أكثر مما ينتجون.