التضخم يزداد “عنادا”ً ومخاوف جدية من العجز عن ضبطه بالأدوات التقليدية

التضخم

أشعلت حرب إيران نيران التضخم في “هشيم” الاقتصادات العالمية. انطلقت شرارتها من هرمز، وتناثرت على دورة الاستثمار الشرهة بالذكاء الاصطناعي والاقتصاد الأخضر، المدرَّة للأرباح الخيالية. ارتفعت الأسعار أكثر، وازداد البحث، الطبيعي والاصطناعي، عن بدائل للنفط وطرق لعبوره مهما كلفت. جلست الفائدة تبكي في الزاوية؛ فمهما ارتفعت، لن تدرَّ على المستثمرين عوائد أعلى من الأسهم التكنولوجية، وفي المقابل ستزيد الانكماش الاقتصادي. إنها معضلة لم يتحضر العالم لمواجهتها بأدواته التقليدية، وضعت الجميع أمام حقيقة مُرّة: التضخم قد يستمر طويلًا.

في أحدث تعليق على موجة ارتفاع الأسعار التي تضرب العالم، توقع صندوق النقد الدولي أن “يُسهم الذكاء الاصطناعي في تغذية التضخم، ليس فقط من خلال رفع تكلفة الرقائق الإلكترونية، وإنما أيضًا عبر زيادة ثروة المستهلكين وتعزيز استعدادهم للإنفاق”. وبحسب كبير خبراء الاقتصاد في صندوق النقد الدولي، بيير أوليفييه غورينشا، فإن طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي “تولد تقييمات هائلة” للشركات المدرجة في أسواق الأسهم الأميركية، مما يزيد من قيمة حسابات التقاعد والمحافظ الاستثمارية، ويجعل المستهلكين يشعرون بزيادة ثرواتهم، ويحفزهم بالتالي على الإنفاق على العطلات والمنازل وغيرها من المشتريات الكبيرة. واعتبر غورينشا ، في حديث مع بلومبيرغ نيوز، أن “هناك قنوات مختلفة ينتقل عبرها تأثير الذكاء الاصطناعي. إحداها ضيقة النطاق وترتبط باختناقات سلاسل الإمداد، والأخرى تأتي عبر جانب الطلب، وكلتاهما تدفعان في الاتجاه نفسه”.

العرض والطلب يضغطان على التضخم

ما يحدث فعليًا هو أن الذكاء الاصطناعي سيؤثر في التضخم من جانبي العرض والطلب.

فمن جهة العرض، يساعد الذكاء الاصطناعي على تخفيف اختناقات سلاسل الإمداد وزيادة كفاءتها، وذلك من خلال العديد من الآليات، منها على سبيل المثال لا الحصر:

  • تحسين التنبؤ بالطلب، بما يقلل من نقص المخزون أو فائضه.
  • إدارة المخزون بذكاء، بحيث تُخزَّن الكميات المناسبة في الأماكن المناسبة.
  • تحسين التخطيط اللوجستي، مثل اختيار أفضل مسارات الشحن وتقليل أوقات النقل.
  • اكتشاف المشكلات مبكرًا، كالتنبؤ بتعطل المعدات أو تأخر الموردين قبل وقوعهما.
  • رفع إنتاجية المصانع عبر الأتمتة وتحسين جدولة الإنتاج.

مسببات مستجدة للتضخم

في المقابل، يؤثر الذكاء الاصطناعي في جانب الطلب أيضًا، إذ يؤدي انتشاره إلى زيادة الإنتاجية والدخول والاستثمار، مما يعزز الطلب على السلع والخدمات.

الطفرة في الذكاء الاصطناعي ستضاف إلى مجموعة من العوامل المسببة لارتفاع الأسعار. فعلى المدى القريب، تبرز العوامل التالية:

  • استمرار حالة عدم اليقين بشأن تدفقات الطاقة.
  • ارتفاع مستويات المديونية العالمية وتكاليف الاقتراض.
  • تأخر شحنات الأسمدة الكيماوية لأسابيع طويلة. وقد حذر كبير الاقتصاديين في منظمة الأغذية والزراعة، ماكسيمو توريرو، من أن خفض المزارعين استخدام الأسمدة بسبب ارتفاع تكلفتها قد يقلص غلة المحاصيل المقبلة ويدفع أسعار الغذاء إلى الارتفاع.

أما على المدى المتوسط، فتبرز مجموعة من العوامل التي قد تدفع الأسعار إلى مزيد من الارتفاع، منها:

  • زيادة الاستثمارات في بدائل لمضيق هرمز في شرق المتوسط ومناطق أخرى من العالم.
  • تعزيز الإنفاق على مشاريع الاقتصاد الأخضر.
  • استمرار ارتفاع أكلاف الشحن والتأمين لفترة متوسطة.

التضخم يرتفع محليا

محليًا، لا يبدو الوضع أقل صعوبة. فعدا عن فقدان مصرف لبنان لآلية سعر الفائدة كأداة للتحكم بالتضخم، بسبب تعطل القطاع المصرفي، تواصل الأسعار ارتفاعها تحت ضغط التضخم العالمي، واستيراد أكثر من 90% من حاجات الاقتصاد، إلى جانب الاستمرار في زيادة الضرائب والرسوم، ولا سيما على المحروقات.

وبحسب إدارة الإحصاء المركزي، ارتفع معدل التضخم في نيسان الماضي إلى 20.02%، بعدما كان قد تراجع إلى حدود 12% خلال عام 2025. وكان لافتًا أن قطاع “الترفيه والتسلية والثقافة”، الذي يمثل 2.4% من مؤشر أسعار المستهلك، سجل ارتفاعًا بنسبة 48.40% على أساس سنوي. كما ارتفع قطاع النقل، الذي يمثل 13.1% من المؤشر، بنسبة 37.82% على أساس سنوي، في حين شهد قطاع التعليم، الذي يمثل 6.6% من المؤشر، زيادة بلغت 35.67% على أساس سنوي خلال الفترة نفسها. كما ارتفعت فئة “الإيجارات الجديدة” بنسبة 14.69% على أساس سنوي، مما يعكس استمرار الطلب على السكن، وتردد بعض النازحين في العودة إلى المناطق المتضررة في ظل مخاوف أمنية متواصلة.

الإستقرار النقدي حد من تفاقم ارتفاع الأسعار

إضافة على ذلك، شكّل فرض رسم على البنزين بقيمة 360 ألف ليرة، واعتزام رفع الضريبة على القيمة المضافة بنسبة نقطة مئوية واحدة، إلى جانب تفعيل الضرائب على المنتجات المسببة للتلوث بنسبة تتراوح بين 1% و3%، عوامل دفعت إلى موجة جديدة من ارتفاع الأسعار. وفي كثير من الأحيان، جاءت هذه الموجة استباقية، ولم تتراجع حتى بعد تعليق العمل بالرسم، أو تأجيل رفع الضريبة على القيمة المضافة. يضاف إلى كل هذه العوامل ارتفاع الأكلاف الإنتاجية، ولا سيما كلفة الكهرباء، التي تؤدي إلى زيادة أسعار مختلف السلع والخدمات.

تتمثل المعضلة الأكبر التي تواجه العالم اليوم في تراجع فعالية أسعار الفائدة في مكافحة التضخم. فرفعها إلى مستويات مرتفعة يقوض النمو، ويزيد كلفة الاقتراض وأعباء الإنفاق الحكومي، ولا سيما في الولايات المتحدة، التي تجاوز دينها العام 40 تريليون دولار. وفي المقابل، فإن خفضها يعني مزيدًا من الإنفاق، وبالتالي زيادة الضغوط التضخمية وارتفاع الأسعار.

أما في لبنان، فإن العامل الوحيد الذي يحد من التضخم يتمثل في استقرار سعر الصرف. فلولا هذا الاستقرار، المُدار بقدر كبير من الدقة، لكانت الأسعار قد ارتفعت أضعافًا مضاعفة، وتسببت في خسائر أكبر للمواطنين والدولة على حد سواء. وإلى حين إصلاح النظام المصرفي وعودة المعاملات المصرفية إلى طبيعتها، فإن الحفاظ على استقرار سعر الصرف، والحد من زيادة الضرائب، ولا سيما غير المباشرة، قد يسهمان في الحد من ارتفاع التضخم وتقويض القدرة الشرائية للبنانيين.