عوامل عديدة عصفت بـ الدولار خلال الأعوام الأخيرة، مهددةً بسقوطه عن عرش العملات الذي تربع عليه طويلًا. أخطر هذه العوامل تمثل في سعي دول مجموعة “بريكس”، التي تسيطر على 30% من الناتج العالمي، تسوية مدفوعاتها التجارية البينية بعملاتها الخاصة.
محاولات حثيثة لإنشاء نظام نقدي عالمي جديد، عززها الإفراط الأميركي في فرض العقوبات الاقتصادية، والإقصاء من نظام “سويفت” لمن يخالف توجهات الولايات المتحدة السياسية. ولعل ما حفّز على التخارج من الدولار بين الخصوم والحلفاء، طباعة الولايات المتحدة ما يقارب ألف مليار دولار كل 3 أشهر لتمويل مديونية وصلت إلى 39 تريليون دولار، وتهديدها بفقدان الدولار ما بين 3 إلى 4 في المئة من قيمته سنويًا.
الذهب يتدقم على الدولار
إزاء هذا الواقع، تراجعت حصة الدولار من المعاملات التجارية العالمية والأدوات الادخارية الدولية على حد سواء. فحلّ الذهب في نهاية 2025 مكان الدولار كأكبر أصل احتياطي لدى البنوك المركزية حول العالم، متقدماً على سندات الخزانة الأميركية للمرة الأولى منذ عقود. وقد عكس هذا التحول تراجع الثقة بالدولار في ظل المخاوف المتزايدة من تضخم الدين العام الأميركي، واعتماد واشنطن بشكل متزايد على الاقتراض لتمويل إنفاقها العسكري والتزاماتها المالية.
حرب إيران تقلب انتكاسة الدولار
ظلت التوقعات سلبية فيما يخص قوة العملة الأميركية حتى انتهاء الحرب الإيرانية. فـ”المحادثات الأميركية مع إيران شملت انضمام الخصم القديم للولايات المتحدة إلى النظام الدولاري، واعتماد فوترة مبيعاته النفطية بالعملة الأميركية”، بحسب تصريح وزير المالية الأميركي سكوت بيسنت. وعد الوزير ذلك “أحد عناصر إعادة تأكيد أوسع قادمة لهيمنة العملة الأميركية على الاقتصاد العالمي”. وقد أتت هذه الخطوة بعد محاولات خصوم أميركا السياسيين والاقتصاديين، من إيران وروسيا مروراً بفنزويلا وصولاً إلى الصين، الخروج من عباءة تسعير النفط بالدولار.
فوترة مبيعات النفط بالدولار لن تقتصر على إيران، إنما ستشمل أيضاً فنزويلا التي ستعود، بحسب بيسنت، إلى “إصدار فواتيرها بالدولار، لتعود إلى النظام الدولاري”، وذلك بعدما كان الرئيس السابق نيكولاس مادورو يمنع التعامل بالعملة الخضراء، ويبيع النفط بأسعار مخفّضة إلى الصين مقابل خدمات وسلع. أما الآن، فإن “الدولار سيكون محور تجارتهم”، يؤكد بيسنت.
الأمور لن تقف عند هذا الحد، فحتى روسيا ستعود، برأي بيسنت، إلى الدولار بعد انتهاء الحرب الروسية الأوكرانية، معتبراً أن “الجاذبية العالمية للدولار مستمدة من امتلاكنا أسواق رأس المال، ومن العمق والاتساع، ومن رغبة الجميع في الدخول إلى النظام القائم على الدولار”.
انتزاع هيمنة الدولار
لعلّ أكثر ما يلفت الانتباه في تصريحات بيسنت هو التشديد على أهمية هيمنة الدولار بالنسبة إلى الولايات المتحدة، واعتبار أن كل ما تقوم به يدعم العملة الخضراء.
البترو دولار
يشكّل تسعير المبيعات النفطية بالدولار عنصر الدعم الأقوى للعملة الخضراء، وقد بدأت هذه العملية في سبعينيات القرن الماضي عقب انهيار اتفاق بريتون وودز عام 1971، عندما أوقفت الولايات المتحدة تحويل الدولار إلى الذهب. وبعد ذلك، توصلت واشنطن إلى تفاهمات مع المملكة العربية السعودية وعدد من كبار منتجي النفط، تقضي بتسعير صادراتهم النفطية بالدولار مقابل توفير ضمانات أمنية وعسكرية أميركية. ثم توسّع هذا النهج ليشمل معظم تجارة النفط العالمية.
استخدام الدولار كعملة وحيدة في التجارة النفطية لا يزيد الطلب على الدولار فحسب، إنما يعزز الادخار به أيضاً. فالدول المستوردة للنفط تسعى، من جهة، إلى الاحتفاظ بكميات كبيرة من الدولار لشراء احتياجاتها من الطاقة، ما يخلق طلبًا مستمرًا على العملة الأميركية. ومن جهة أخرى، تفرض هذه العملية على البنوك المركزية حول العالم تعزيز احتياطياتها من العملة الأميركية لتأمين واردات الدول من النفط.
في المقابل، فإن الدول المصدّرة للنفط والمتلقية للدولار تعمد إلى إعادة تدوير العائدات النفطية من خلال استثمار جزء كبير من إيراداتها الدولارية في سندات الخزانة الأميركية والأسواق المالية الأميركية، ما وفّر للولايات المتحدة مصدرًا مهمًا لتمويل عجزها بتكاليف منخفضة. وعليه، يعزّز انتشار الدولار النفوذ المالي الأميركي، إذ يمنح الولايات المتحدة دورًا محوريًا في النظام المالي العالمي، ويجعل العقوبات المالية وأدوات الرقابة على التحويلات أكثر تأثيرًا.
بعدما شهدت السنوات الأخيرة محاولات من العديد من الدول لتسوية جزء من تجارة الطاقة باليوان والروبل، وحتى اليورو، ستعود هذه التوجهات إلى الدولار. وبذلك تستعيد الولايات المتحدة “ابنها الضال” الذي صنع مجدها منذ سبعينيات القرن الماضي، وسيستمر هذا الدور ما دام النفط يتدفق في شرايين الاقتصادات.
