أما آن الأوان للتحرر من “توتر” الكهرباء العالي؟

الكهرباء

 

“أعمت” مؤسسة كهرباء لبنان الأمل بزيادة ساعات التغذية بـ الكهرباء، في عرضها لواقع التحديات التشغيلية. وبدلًا من أن “تكحل” المشاكل بمحاولة إيجاد حل منطقي لها، “بشّرت” بحصول انقطاع عام (Blackout) في أي وقت وبشكل يومي.

بهذه البساطة، ردّت “الكهرباء” على الشكاوى من عدم توفر التغذية بالتيار الكهربائي لأكثر من ساعة واحدة في مدينة بيروت وبعض ضواحيها، وفي العديد من المناطق. وعلّلت السبب بمحدودية القدرة الإنتاجية المتاحة، التي لا تتجاوز 500 ميغاواط، من أصل حاجة فعلية تتجاوز 3500 ميغاواط.

فشل التعرفة

تحجج مؤسسة الكهرباء بـ”الظروف الاستثنائية الراهنة، وفي مقدمتها الارتفاع الكبير في أسعار المشتقات النفطية وانعكاسات الأوضاع الإقليمية”، كما ورد في بيانها، وهو “عذر أقبح من ذنب”. فالتعرفة الموضوعة، التي تُعدّ من الأعلى عالميًا وتناهز ضعف التعرفات المعتمدة في الدول المجاورة، مثل سوريا ومصر والأردن، وُضعت أصلًا في خطة الطوارئ الكهربائية على أساس كلفة الإنتاج الحقيقية، المعتمدة على سعر النفط العالمي (وفق سعر برميل النفط BRENT).

وقتها، أي في أيار 2022، كان متوسط سعر خام برنت (Brent crude oil) يبلغ 113 دولارًا للبرميل، في حين أن السعر اليوم لا يتجاوز 86 دولارًا، وذلك بعد ارتفاعه بأكثر من 13 في المئة خلال الأيام الأخيرة.

الخطة التي يرتكز عليها قطاع الطاقة تنص على اعتماد CORRECTION FACTOR لأسعار الطن من كل من مادتي الفيول أويل والغاز أويل، مقارنة بسعر طن برميل النفط برنت، عند الحاجة، وفق معدل السعر للشهر أو الشهرين الماضيين، على أن يؤخذ بعين الاعتبار لاحقًا الكلفة التشغيلية للامتيازات. فلماذا لم تخفض مؤسسة كهرباء لبنان التعرفة عندما انخفض سعر برنت إلى نحو 62.5 دولارًا للبرميل في 7 نيسان 2025؟ ألم يكن يفترض أن تنخفض فاتورة الكهرباء بمقدار النصف إلى نحو 14 سنتًا على الأقل، بالتوازي مع تراجع أسعار النفط بأكثر من 50%؟

تثبيت بدل الإشتراك رغم عدم تأمين الكهرباء

أكثر من ذلك ‏ “حين تغيب الكهرباء 20 ساعة يوميًا، لماذا يبقى بدل الاشتراك ثابتًا؟” يسأل الخبير الاقتصادي وليد أبو سليمان.

إذا كان من الطبيعي، من الناحية التقنية، أن تتضمن فاتورة الكهرباء رسمًا ثابتًا يساهم في تغطية كلفة الشبكة وصيانتها وتشغيلها، فإن “من غير المنطقي أن يُعامل المشترك الذي يحصل على الكهرباء 4 ساعات من أصل 24، أي ما يقارب 17% من اليوم، وكأن الخدمة متاحة له على مدار الساعة”، يقول أبو سليمان. وبرأيه فإن المطلوب هو إعادة تصميم الرسوم الثابتة بطريقة أكثر عدالة، في الحد الأدنى، عبر احتساب جزء أساسي ثابت لتغطية كلفة الاتصال بالشبكة، وجزء آخر مرتبط بالتوافر الفعلي للخدمة، يُحتسب وفق متوسط ساعات التغذية خلال دورة الفوترة.

الهدر المرتفع

ما يحصل على أرض الواقع من وضع فواتير باهظة، وكلف اشتراك ثابتة، وسوء توزيع، يتناقض مع تأكيدات مؤسسة كهرباء لبنان بأنها “تعمل جاهدةً على مراعاة العدالة بصورة كاملة في التغذية بالتيار الكهربائي على كل الأراضي اللبنانية”.

وإذ تجدّد المؤسسة التأكيد “أنها ومستخدميها تقوم بكل الجهود للمحافظة على حد أدنى من الاستقرار في التغذية الكهربائية، وذلك على الرغم من الظروف الاستثنائية الصعبة التي تمر بها وارتفاع أسعار المحروقات”، فإن العقود الطويلة من سوء الإدارة، والفشل، والتلزيمات المنفعية، تجعل من هذه المحاولات كتعبئة المياه في سلة القش.

تكفي الإضاءة على ثلاث نقاط لإظهار حجم الهدر الكبير في قطاع الكهرباء، ولماذا لا تكفي التعرفة المرتفعة جدًا لتأمين الفيول اللازم لتشغيل المعامل أو الوصول إلى إنتاج يصل إلى 1000 ميغاواط.

  • النقطة الأولى: ارتفاع معدلات الهدر الفني وغير الفني إلى أكثر من 60%، بحسب العديد من التحليلات. وإذا كان الهدر الفني قد بقي ثابتًا عند حدود 15%، مقارنةً بمتوسط لا يتجاوز 8% في دول العالم، فإن الهدر غير الفني، أي السرقة، ارتفع من حدود 20 إلى 25% قبل عشر سنوات إلى ما بين 40 و50%. وهذا يعني أن كل ميغاواط يُنتج في المعامل يعود على المؤسسة بعائد يعادل النصف.
  • النقطة الثانية: الاستمرار في التعامل مع مقدمي الخدمات، رغم فشل التجربة. فمقدمو الخدمات، الذين تمت الاستعانة بهم منذ عام 2011 لحل مشكلة الجباية، وزيادة العائدات، ونزع التعديات، وخفض نسبة الهدر غير الفني، فاقموا المشكلة بدلًا من حلها.
  • النقطة الثالثة: عدم دعم الكفاءات وتطويرها، وإيصال المتنفذين أو المدعومين سياسيًا. ولعل الإبقاء على رئيس مجلس الإدارة كمال حايك منذ عام 2022، رغم كل الخسائر التي مُنيت بها مؤسسة كهرباء لبنان وعدم تأمين التغذية، خير دليل على ذلك.

يومًا بعد آخر، يتبيّن أن رفع التعرفة بنسب كبيرة، في ظل غياب المنافسة الجدية، بحجة تأمين شراء المحروقات، كان كذبة كبيرة. فالهدر غير الفني ازداد، والتعديات على الشبكة تفاقمت، كما ارتفعت أعداد العاجزين عن تسديد الفواتير. فالمشكلة لا تكمن في ارتفاع أسعار المحروقات عالميًا فحسب، بل هي نتيجة عقود من سوء الإدارة والفساد. وقد آن الأوان، أكثر من أي وقت مضى، للتخلص من التوتر العالي المصاحب لانقطاع الكهرباء وانعكاساته السلبية على مختلف جوانب الحياة.