من شعبٍ واحدٍ في بلدين، إلى تكامل اقتصادي يحقق رفاه المواطنين.. انتقلت العلاقة بين لبنان وسوريا. فالمستقبل الذي يحكم تطور البلدين ونموهما لم يعد يُبنى على الشعارات الحجرية، وإنما على التكامل وتحقيق المصالح المتبادلة، وهو ما أكد عليه الجانبان خلال الزيارة الرسمية لوزير الاقتصاد اللبناني، عامر البساط، إلى دمشق، على رأس وفد من رجال الأعمال.
الكلمة المفتاحية التي سمعها القطاعان العام والخاص في لبنان وسوريا، خلال استقبالهما من الرئيس أحمد الشرع، تمثلت في الدعوة إلى اعتماد مقاربة جديدة للتكامل الاقتصادي والسياسي، تضع جودة حياة المواطنين ورفاههم في البلدين في صدارة الأولويات.
الاختلاف الاقتصادي
لبنان وسوريا، اللذان حكما لعقود بمعاهدة الأخوة والتنسيق، كانا الأقل استفادة من واقعهما الجغرافي، وقربهما الثقافي، وتاريخهما المشترك. والسبب اقتصادي بالدرجة الأولى، قبل أن يكون سياسيًا، كما يعتقد كثيرون. فالنظامان الاقتصاديان المختلفان، الحر في لبنان والاشتراكي في سوريا، كانا بمثابة الزيت والماء، يستحيل دمجهما. لذلك، اقتصرت العلاقات بشكل أساسي على التبادل التجاري، الذي ظل محدودًا رسميًا بسبب انتشار التهريب. فصدّرت سوريا رساميلها سرًا إلى المصارف اللبنانية، كما صدّرت اليد العاملة الرخيصة إلى قطاعي الزراعة والبناء. وباستثناء دخول مصارف لبنانية إلى السوق السورية منذ عام 2004 عبر تأسيس بنوك شقيقة، وهي تجربة لم يُكتب لها النجاح، ولا سيما بعد اندلاع الحرب، وتعرض سوريا للعقوبات، وانهيار القطاع المصرفي اللبناني.. دخلت المشاريع الاقتصادية المشتركة في سبات عميق، بالتزامن مع دخول المجلس الأعلى اللبناني السوري في نومة أهل الكهف.
الانتقال من التجارة إلى الاستثمار
بين الأمس واليوم، تغيّرت أمور كثيرة. فالمجلس الأعلى، صاحب الفرمانات الصادرة من أقبية المخابرات، حلّ محلّه مجلسان للأعمال: أحدهما لبناني–سوري، برئاسة خليل العرب وعضوية رجال أعمال ومستثمرين، والآخر سوري–لبناني، برئاسة ليلى السمان. وعلى هذين المجلسين تُوكل مهمة تحفيز الاستثمارات بين البلدين، مدعومةً بتوجهات سياسية عريضة تهدف إلى تذليل الصعوبات وتسهيل التواصل. فمن الواضح أن «البلدين يرغبان في استكمال زخم التطور الحاصل في العلاقة السياسية بينهما»، برأي الخبير الاقتصادي الدكتور إيهاب إسمندر، وهو ما تُرجم مؤخرًا بوضوح في زيارة وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، إلى بيروت، حيث أكد فتح صفحة جديدة قائمة على الاحترام المتبادل وحسن الجوار، مع تنسيق أمني عالٍ.
النتائج العملية
تكتسب زيارة وفد اقتصادي لبناني رسمي، يضم ممثلين عن القطاعين العام والخاص، إلى سوريا أهميةً مزدوجة. فإلى جانب كونها الزيارة الثانية لوزير الاقتصاد اللبناني خلال شهرين، فإن مستوى التمثيل الوزاري وطبيعة الملفات المطروحة يمنحانها بُعدًا جديدًا.
هذا من حيث الشكل، أما في المضمون، فإن ما تمخضت عنه هذه الزيارة من نتائج يُعد كبيرًا، ومن أبرزها:
- الإعلان عن تشكيل مجلس الأعمال السوري–اللبناني، ليعمل كآلية تواصل دائمة بين القطاع الخاص والمستثمرين ورجال الأعمال في البلدين، ولتذليل العقبات التي تعترض تنفيذ المشروعات، بالتنسيق مع الجهات المعنية.
- تشكيل لجنة فنية لمعالجة المشكلات المتعلقة بالاستيراد والتصدير والترانزيت بين البلدين، إضافةً إلى القضايا الجمركية.
- توقيع مذكرات تفاهم في مجالات الربط الطاقي، وخطوط النفط، وشبكات النقل البري والبحري، والتعاون في قطاعات الخدمات والسياحة والمصارف.
إذًا، وفي حال تم تنفيذ ما تم الاتفاق عليه، “نتوقع أن تثمر الزيارة فرصةً كبيرة لإعادة بناء جسور التعاون الاقتصادي بين الدولتين”، من وجهة نظر إسمندر، “وهي توجّه رسالةً إلى قطاع الأعمال في البلدين بأن الظروف مهيأة لعودة الاستثمارات والتبادل التجاري، مع التأكيد على أن لبنان، الذي يعاني من أزمة اقتصادية صعبة، يرى في سوريا المستقرة والمتعافية متنفسًا ومخرجًا له”.
التحول نحو النظام الاقتصادي الحر
عدا عن زوال الشعارات التي لم تكرّس إلا اللغة الخشبية في التعامل مع الملفات الاقتصادية، فإن تحول سوريا من اقتصاد اشتراكي مركزي مخطط، تسيطر عليه الدولة، إلى اقتصاد حر، يمكن أن يكون المحرك الأكبر لتعميق العلاقات الاقتصادية مع لبنان، برأي إسمندر، وذلك من خلال:
- تقليل دور البيروقراطية الحكومية في إعاقة وتبطيء التعاون الاقتصادي.
- تقليص احتكار الدولة للقطاعات الحيوية وفتحها أمام القطاع الخاص، مما يخلق مجالات كثيرة أمام الشركات والمستثمرين اللبنانيين، الذين طالما اشتكوا من سيطرة الدولة السورية السابقة على الاقتصاد ومنافستها غير المتكافئة للقطاع الخاص.
- تقارب الأنظمة الاقتصادية بين البلدين، فلبنان لديه اقتصاد حر، وبالتالي سيصبح النظام الاقتصادي السوري مشابهًا للنموذج المتبع في لبنان، وعليه سيصبح دخول المستثمرين اللبنانيين إلى سوق الاستثمار في سوريا أسهل.
يُضاف إلى ما سبق أن التحول نحو اقتصاد السوق الحر في سوريا شرطٌ أساسي لجذب الاستثمارات الخاصة المطلوبة لإعادة الإعمار، والشركات اللبنانية ورجال الأعمال اللبنانيون، بما لديهم من خبرة عريقة في عالم الأعمال والمصارف والإنشاء وغيرها، وبسبب قربهم الجغرافي والإنساني من سوريا، سيكونون من أوائل المستفيدين من هذه العملية.
تذليل العقبات
رغم كل هذه الإيجابيات، فإن التكامل الاقتصادي بين البلدين ما زالت تشوبه مجموعة من المعوقات، ليس أقلها أهمية إعادة بناء الثقة على أسس الاحترام والتنسيق الدائم والمعاملة بالمثل. هذا من الناحية النظرية، أما عمليًا فمن المطلوب معالجة ملف التهريب بين البلدين، فهذه الظاهرة لها آثار سلبية على الصناعة المحلية والثقة والموارد الجمركية، برأي إسمندر. ومن المفترض أيضًا خلق مجال اقتصادي سوري–لبناني محايد عن التجاذبات والتذبذبات السياسية.
من المهم جدًا إبرام اتفاقية لحماية وتشجيع الاستثمار بين سوريا ولبنان، تتضمن أدوات للتحكيم الدولي المحايد، إضافةً إلى معالجة ملف الودائع السورية في لبنان والودائع اللبنانية في سوريا، عبر صندوق مشترك أو آلية مقاصة توفر السيولة وتشعر المودعين بالجدية، وربط المصالح الاقتصادية الحيوية. كما أن من المطلوب في المجال المالي تأطير التعاون المالي والمصرفي، من خلال اعتماد آلية للمقاصة بالعملات الصعبة، وتعزيز التعاون في مكافحة غسل الأموال، وفتح مصرف مشترك.
إن كانت الثقة الأقوى تُبنى على المصالح، فإن تعظيم المصالح وتوسيعها، والتعامل بشفافية، أمرٌ أساسي لتطور الاقتصادين اللبناني والسوري، في مرحلة هما أحوج ما يكونان فيها إلى التضامن فيما بينهما، وتجاه الخارج، لجذب الاستثمارات وتعزيز النمو الاقتصادي.
