بين فخ التضخم والحاجة لإعادة الهيكلة: أين يتجه ملف رواتب القطاع العام؟

أقرّ مجلس النواب اعتماداً إضافياً ضمن موازنة العام 2026 بقيمة تناهز 56 ألفاً و500 مليار ليرة لبنانية، خُصص لتغطية كلفة ست رواتب إضافية لموظفي القطاع العام والعسكريين. وأعاد هذا الإقرار فتح الخلاف بين مطلبَين متعارضَين: دفع المستحقات دفعة واحدة، أو تقسيطها على مراحل تفادياً لصدمة نقدية قد تشعل التضخم وتضغط على سعر الصرف.

يستند أصحاب مطلب الدفعة الواحدة إلى اعتبار الزيادة جزءاً من حقوق متراكمة منذ العام 2019، حين فقدت الرواتب معظم قيمتها الشرائية بعد انهيار الليرة أمام الدولار، وارتفاع سعر الصرف من نحو 1500 ليرة إلى ما يقارب 90 ألف ليرة. ويعتبرون أن التقسيط يشكّل تراجعاً بأثر رجعي عن مستحقات أُقرّت بقانون، وأن الدولة ألزمت نفسها بتأمين هذا المبلغ عبر جباية فعلية، ما يوجب صرفه فوراً ودون انتقاص، أسوة بحقوق أخرى لا يجوز، بحسب هذا الطرح، المسّ بها.

في المقابل، يحذّر أنصار التقسيط من أن ضخّ هذا المبلغ دفعة واحدة، في ظل تراجع الإيرادات العامة واستمرار الضغوط الاقتصادية، قد يولّد موجة تضخمية تلتهم قيمة الزيادة نفسها، ويهدد الاستقرار النقدي الذي حافظ عليه لبنان طوال سنوات الأزمة. ويستشهدون بتقرير حديث لصندوق النقد الدولي أشار إلى غياب إحصاء دقيق لعدد العاملين في القطاع العام، وسط تباين الأرقام الرسمية بين ثلاثمئة ألف وأكثر من ثلاثمئة وثلاثين ألف موظف، ما يعكس، بحسب هذا الرأي، خللاً بنيوياً يسبق أي نقاش حول الزيادات.

يربط هذا الطرح استدامة أي رفع للرواتب بإطلاق إصلاح إداري شامل، يشمل إلغاء عشرات المؤسسات التي لم يعد لوجودها مبرر، وإعادة هيكلة أنظمة التوظيف والتقاعد، وفتح قطاعات كالكهرباء والاتصالات والمياه أمام الشراكة مع القطاع الخاص. ويستدل أصحاب هذا الاتجاه بمقارنات بين الإنفاق على القطاع التعليمي الرسمي ونظيره الخاص، وبين كلفة الرواتب التي باتت تستنزف نحو ثلثي موازنة الدولة البالغة ستة مليارات دولار، لتخلص إلى أن الإصلاح يجب أن يسبق أي تصحيح جديد للأجور.

وسط هذا التجاذب، طالب مشاركون في النقاش بتفعيل أجهزة رقابة مستقلة تحدّ من الهدر، ودعوا إلى معالجة العدالة الضريبية عبر مراجعة الضرائب المفروضة على المحروقات والقيمة المضافة، بوصفها تمسّ الموظف والمواطن على حد سواء. وأكدوا في الوقت ذاته حرصهم على تمييز الموظف الكفوء عن الفائض الوظيفي، مشددين على ضرورة أن يعيش موظف القطاع العام بكرامة، شرط أن تترافق أي زيادة مع إصلاح فعلي يمنع تكرار حلقة الانهيار ذاتها.

اضغط هنا لمشاهدة المقابلة على اذاعة VDL