احتلّ لبنان المرتبة الثانية إقليمياً، والخامسة عشرة عالمياً، في «مؤشر أسعار النطاق العريض العالمي» (THE GLOBAL BROADBAND PRICE LEAGUE). وبحسب تقرير «العربي»، تُعدّ كلفة الإنترنت على الأفراد في لبنان من الأدنى في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. فما مدى صحة هذه الأرقام؟
يصنف مؤشر أسعار النطاق العريض العالمي 214 دولة وفقاً لمتوسط تكلفة الإنترنت فيها. وقد تم تصنيف الدول بناءً على متوسط سعر النطاق العريض الشهري، مرتّبةً من الأدنى إلى الأعلى، استناداً إلى متوسط تكلفة جميع الباقات في كل دولة.
وعليه، احتل لبنان المرتبة الثانية إقليمياً والخامسة عشرة عالمياً في مؤشر أسعار النطاق العريض العالمي للعام 2025. وقد بلغ متوسط تكلفة النطاق العريض في لبنان 14.23 دولاراً، مقارنةً بمتوسط التكلفة العالمي البالغ 57.73 دولاراً. ما يعني أن سعر الإنترنت في لبنان أدنى من مثيله العالمي بأكثر من 75%.
الاحتساب غير الدقيق للكلفة
الأسعار المتهاوية للإنترنت، بحسب الدراسة، لا يشعر بها 89% من اللبنانيين الذين يستخدمون الإنترنت يومياً، وفق أرقام «المؤشر العربي» الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. وهذا أمر طبيعي، إذ إن امتلاك أرخص نطاق عريض لا يعني بالضرورة الكثير. ففي الواقع، غالباً ما تكون الدول التي تتمتع بأرخص خدمات الإنترنت هي تلك التي تتميز بسرعات أبطأ، ما يتطلب دفع مبالغ إضافية لإنجاز الأعمال أو حتى الوصول إلى سرعات عالية.
هذا من الناحية النظرية، أما فعلياً، فإن لبنان لا يملك أساساً الأدوات التي تخوّله قياس كلفة النطاق العريض وجودته. فالكلفة تتحدد بناءً على الاستثمارات في القطاع وعدد المشتركين الفعليين. فشبكة الاتصالات العامة الشرعية للإنترنت تضمّ نحو 400 ألف مشترك، فيما هناك أكثر من مليون مشترك في الشبكات الهوائية غير الشرعية، التي لا يمكن احتساب تكاليفها. أما مقارنتها مع بلدان أخرى، فتستوجب معرفة ما إذا كانت الخدمة المقدّمة محلياً هي نفسها المقدّمة في الخارج أو شبيهة بها، وتحمل الاسم نفسه.
غياب الألياف الضوئية
إضافةً إلى ذلك، فإن خدمة النطاق العريض تفترض مبدئياً الاتصال بالإنترنت عبر شبكة الألياف الضوئية (Fiber Optic)، وهو الأمر غير المتوفر بالنسبة إلى الشريحة الأكبر من المشتركين. فمن أصل مئات آلاف المشتركين بخدمة الإنترنت الأرضي، سواء عبر «أوجيرو» أو الشركات الموزّعة الشرعية وغير الشرعية، يتراوح عدد المستفيدين من شبكة الألياف الضوئية بين 13 و14 ألف مشترك فقط، وفي مناطق محدودة من العاصمة بيروت. ولم ينجح هذا المشروع، الذي أُنفِق عليه حتى اليوم ما لا يقل عن 180 مليون دولار، أي ما يمثّل أكثر من نصف المبلغ المرصود لإنجازه، في تحقيق النتائج المرجوّة منه.
السعر مقارنةً مع الخدمة
التسليم جدلاً بصحة الرقم، بغضّ النظر عن طريقة احتسابه، والافتراض بأنه يشمل المشتركين على الشبكة العامة، تبرز إشكالية لا تقلّ إبهاماً. فالمشتركون عبر الشبكة الشرعية يمثلون ثلث عدد المشتركين، وهذا أولاً. أما ثانياً، والأهم، فإن مقارنة جودة الخدمة بالقيم التي تُدفع تُظهر أن الكلفة هي الأغلى في العالم وليست الأدنى. فسعر استهلاك الإنترنت عبر الشبكة الثابتة، والمقدّر بنحو 14.5 دولاراً، يمثّل 5% من متوسط الدخل الفردي للشريحة الأكبر من اللبنانيين، فيما لا يتجاوز المتوسط العالمي 2% من الدخل. وإذا ما أخذنا في الاعتبار السرعات البطيئة والخدمة الرديئة، تصبح كلفة الإنترنت في لبنان من الأعلى في العالم.
المقارنة مع المنطقة
على صعيد المنطقة العربية، تصدّرت مصر قائمة الدول العربية الأدنى كلفةً للإنترنت، وحلّت في المرتبة السادسة عالمياً، بمتوسط تكلفة بلغ 7.39 دولاراً. وتفوّق لبنان في هذا الجانب على جميع الدول باستثناء مصر، بما فيها الإمارات العربية المتحدة، التي بلغ متوسط تكلفة الإنترنت فيها 105.92 دولارات، ما جعلها تحتل المرتبة 192 عالمياً، والمرتبة 21 إقليمياً. أما سوريا، فكانت الدولة الأعلى تكلفةً في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بمتوسط تكلفة بلغ 189.92 دولاراً، ما يجعلها من أغلى دول العالم في مجال الإنترنت، وفي المرتبة 209 عالمياً.
انطلاقًا من هذا الواقع، لا تجوز مقارنة كلفة الإنترنت في لبنان بكلفته في الدول المتقدمة أو الأكثر تطوراً، مثل دولة الإمارات العربية المتحدة. ففي حين توفر الإمارات خدمات النطاق العريض بسرعات عالية جداً وسعات كبيرة تلبي مختلف الاحتياجات، لا يزال لبنان يعاني من محدودية السرعات والسعات المتاحة، بحيث يحصل المستخدم في كثير من الأحيان على الحد الأدنى من الخدمة مقارنة بالمعايير العالمية.
وعليه، فإن أي مقارنة مباشرة للأسعار تكون مضللة ولا تعكس العبء المالي الحقيقي الذي يتحمله اللبنانيون مقابل الحصول على خدمة إنترنت مقبولة. فالكلفة الفعلية لا تُقاس بالمبلغ المدفوع فقط، بل أيضًا بمستوى الخدمة المقدمة وجودتها. وتتجلى هذه المشكلة بصورة أكبر لدى العاملين عن بُعد، ولا سيما العاملين في القطاع الخاص، الذين يضطر كثير منهم إلى الاشتراك في أكثر من مصدر للإنترنت، بعضها شرعي وبعضها غير شرعي، لضمان استمرارية الاتصال وتحقيق السرعة والاستقرار اللازمين لإنجاز أعمالهم. وفي كثير من الحالات، قد تتجاوز النفقات الشهرية على خدمات الإنترنت الحد الأدنى للأجور، ما يجعل الوصول إلى خدمة مناسبة يشكل عبئاً اقتصادياً كبيراً على الأفراد.
