كهرباء لبنان: سوء إدارة وهدر “بلا حساب”.. إن لم تكن المحاسبة حلّاً فالإقالة واجبة

كهرباء لبنان

أن نتطرق إلى العجز المالي الهائل في مؤسسة كهرباء لبنان، لهو أمر “مطروق”. ونكاد نجزم أنه يُرى وسط الظلام مشعّاً، من دون الحاجة إلى وجود الكهرباء. أما الجديد الذي تحاشاه القيّمون على المؤسسة لعقود، وفي مقدمتهم رئيس مجلس إدارتها ومديرها العام كمال حايك، فهو أن سبب هذا العجز ليس تراجع الإيرادات كما يسوّقون، إنما سوء الإنفاق.

يقوم التوازن المالي في أي مؤسسة، سواء كانت عامة أو خاصة، على كفتي ميزان الإيرادات والنفقات. في “الكهرباء”، أُلقيت لائمة العجز المالي جزافاً على تراجع الإيرادات. وعلى مدار سنوات طوال، نُسّقت حملات إعلانية وإعلامية تدّعي أن تثبيت التعرفة الزهيدة، وتهرّب المؤسسات العامة من تسديد مستحقاتها المالية، والإمداد غير الشرعي للمواطنين، والعجز عن الدخول إلى مخيمات النازحين واللاجئين… عوامل أدت إلى الخلل المالي.

لنسلّم جدلاً بصحة هذا التبرير، مع العلم أن التعرفة كانت مدعومة من الحكومة، ومخيمات النازحين لم تظهر إلا بعد العام 2011، و”التعليق” لم يكن مستفحلاً قبل الانهيار في العام 2019. لماذا لم يتحقق التوازن المالي منذ 4 سنوات بعد رفع التعرفة إلى ضعف كلفة الإنتاج؟ وكيف لهذه التعرفة الهائلة، (27 سنتاً للاستهلاك الذي يفوق 100 كيلوواط)، والمحددة فقط بشطرين، ألا تكفي لشراء الفيول لتشغيل ربع المعامل الموجودة؟

المشكلة في الإنفاق

الجواب بسيط: “فتش عن سوء الإنفاق”، يقول منسق سياسات الشراكة بين القطاعين العام والخاص في المعهد اللبناني لدراسات السوق ومدير الاستثمار سابقًا في وزارة الطاقة، غسان بيضون.

اتبع كمال حايك في إدارته مؤسسة كهرباء لبنان، منذ تعيينه في العام 2002، أسلوب الساحر. ففي الوقت الذي كان يوقّع فيه على صفقات الإنفاق على الفيول، والعقود والمشتريات والتوظيفات بملايين الدولارات في يمناه، كان يُلهي الجميع بتراجع الإيرادات بيسراه. فيعلّي من “حبّه” المداهمات لنزع التعليقات ويحولها إلى “قبة”، ويعظّم تهرّب المخيمات من الدفع، وتُهاجم الإدارات بسبب استهلاكها الكهرباء من دون أن تدفع. هذا التضليل شتّت الانتباه عن الإنفاق الجائر الذي يتركز في العقود، ومنها، على سبيل الذكر لا الحصر:

  • عقود تشغيل وصيانة المعامل المستمرة منذ عقود بالتراضي، ومن دون تعديل، وبالعملة الأجنبية.
  • تحويل عقد تشغيل وصيانة معملي الذوق والجية إلى عقد “حفظ للمعامل”، بكلفة تتجاوز المليون دولار شهرياً، بعد كشف ممثل الشركة الملتزمة أن الفيول المورّد مغشوش ويؤدي إلى تعطل المكنات. وبدلاً من إصلاح مشكلة الفيول، أوقفت المعامل عن التشغيل، وحُرمت الشبكة من نحو 300 ميغاواط. جُمّد العقد، وتمت مخاصمة الشركة، والإبقاء عليها لحفظ المعامل لحين البت بالموضوع نهائياً.
  • التوقف عن تشغيل المعامل التي تعمل على الفيول الأدنى سعراً، مقابل الاستمرار في تشغيل تلك التي تعمل على زيت الغاز الأعلى ثمناً.
  • الاستمرار في أخذ الموافقات من مجلس الوزراء لتفريغ شحنات زيت الغاز بناءً على شهادة المختبر في مرفأ التحميل، وتجاهل الفحص الثاني في المختبرات المعتمدة. خطورة هذا الأمر أن شهادات مرفأ التحميل يمكن تزويرها. وإن كانت صحيحة، فإن إمكانية تبديل الفيول في البحر تجعل منها غير صالحة، وتستوجب التأكد مرة ثانية من جودة الفيول للحفاظ على الآلات والمعدات في معامل الإنتاج.
  • التلاعب بعقود شراء المحروقات التي تعتبر عصب الكهرباء والمادة التي تشكل النسبة الأكبر من كلفة الإنتاج. دائماً ما كانت العقود تبرم مع شركات محددة، وعلى نوعية وقود متدنية الجودة وبسعر أعلى، ما مثّل هدراً كبيراً في سعر المحروقات.
  • التعاقد مع مقدمي الخدمات بكلفة مرتفعة جداً، من دون أن يؤدي هذا التعاقد إلى زيادة الإيرادات أو تحسين الجباية. وجرى تمديدها منذ العام 2012 خلافًا للأصول، ورغم الاعتراضات الكبيرة على هذه العقود من قبل مدراء في مؤسسة كهرباء لبنان.
  • فشل مشروع مقدمي الخدمات وتشكيله نزفاً مالياً لمؤسسة الكهرباء.
  • اعتماد إدارة مؤسسة كهرباء لبنان مرسوم تحديد الحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص، باعتبار أن مستخدميها يخضعون لقانون العمل وينتسبون إلى الضمان الاجتماعي. فيتم اعتبار الحد الأدنى لرواتب المستخدمين 28 مليون ليرة، ويضاف إليه الحوافز وبدل النقل وخلافه من التقديمات، فتصبح رواتب مستخدمي الكهرباء أعلى بما لا يقاس من رواتب بقية المؤسسات العامة.
  • اعتماد تعرفة تكفي لتغطية النفقات منذ العام 2022، بعد الاشتراط أن تظل الحكومة تسدد ثمن النفط العراقي. فبأي حق تحدد تعرفة تغطي النفقات مع الهدر، وتقوم الخزينة بتسديد ثمن الفيول؟

الجباية المجحفة

في كفة الإيرادات الوضع لا يقل غرابة. فلم  يتحقق التوازن المالي رغم رفع التعرفة وسداد الحكومة ثمن النفط، وهذا ما سيظهر جلياً في حال تم اعتماد موازنة مدققة مع قطع حساب شفاف للسنوات ما بعد العام 2022.  وذلك على الرغم أيضاً من الإبقاء على تعرفة الكهرباء مرتفعة بنسبة 40% عندما انخفض سعر خام برنت إلى حدود 70 دولاراً للبرميل، بمخالفة واضحة لخطة الطوارئ الكهربائية التي تقول بتخفيض سعر التعرفة بالتوازي مع تراجع كلفة الإنتاج، ومنها بشكل أساسي النفط. وبالتالي فإن إبقاء سعر التعرفة ثابتاً مع تراجع أسعار النفط، حققق إيرادات أعلى أكثر مما يستوجب.

وعليه، إن كانت كفة الإنفاق فيها هدر، فإن كفة الإيرادات فيها تحصيل غير مبرر. يُضاف إليها وضع رسم عداد غير قانوني. فـ “بحسب نظام الاستثمار والآراء الاستشارية من المراجع القانونية، يكون رسم العداد مقابل خدمة”، يعلق بيضون. “بمعنى أن المؤسسة تؤمّن الخدمة للمشترك على مدار الساعة، أي 24/24، وتتغطى الكلفة من خلال التعرفة، ويحق للمؤسسة قطع التيار فقط يوم عطلة، وبعد الساعة الثامنة صباحاً وساعة قبل غروب الشمس. وفي حال تجاوز القطع هذه المدة، يستوجب على المؤسسة خفض الجعالة، أي رسم العداد”. فكيف الحال والكهرباء لا تتأمن بأكثر من 4 ساعات يوميًا؟ يسأل بيضون، وبأي حق يدفع المشترك رسم عداد عن تغطية يفترض أن تكون على مدار 24 ساعة؟

الإفلاس ليس قدراً

الهدر في النفقات والتحصيل غير المبرر في الإيرادات حققا مصالح العديد من الأطراف، دون وجه حق طبعًا، لكنهما أوصلا المؤسسة إلى الإفلاس. ولعل هذا ما يفسر التصدي لمحاولات الإصلاح، والإصرار على إبقاء القديم على قدمه، حيث ما زالت تُعرقل الترقيات للفئة الثانية كيلا تنافس المدير العام كمال حايك على الإدارة العامة. وتستمر الرداءة على المستوى الفني في الشبكات ومعامل الإنتاج، والتعامل بالفيول المغشوش، وتبديل قطع الغيار بكلفة مرتفعة.

كل ذلك يحصل في واحدة من الحالات الثلاث التي لا رابع لها: بعلم رئيس مجلس الإدارة والمدير العام كمال حايك، أو بجهله، أو بتواطئه. فإن كان يعلم وساكتًا، فالمصيبة كبيرة. وإن كان يجهل، والصفقات تمرّر كالمياه من بين يديه، ويبقى في موقعه، فالمصيبة أكبر. أما إن كان متواطئاً، ويمسك كل هذه الأمور بيده، ويحافظ على بقاء الخلل ويخفيه بإحداثياته وقراراته وعدم وجود حسابات، فإن المصيبة مضاعفة.

بغياب الإدارة الرشيدة، إذا أحسنا الظن، ومن خلال الاتفاق مع الموردين والدخول في الصفقات من قبل القيّمين، إذا أسأنا الظن، ظلّت الفوضى مستشرية في مؤسسة الكهرباء طوال عهد كمال حايك، أي لمدة 24 عاماً. وعلى الرغم من أنه كان يمكن إيقافها في كل مرحلة من مراحلها والحد من تفاقمها، فإن هذا ما لم يحصل، و”لن يحصل طالما تُوكَل حلّ المشاكل إلى الإدارة القديمة نفسها”، يرى بيضون. وهو الأمر الذي يستدعي اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، تغيير رأس المؤسسة والتعاون مع مجلس الإدارة المشكّل حديثًا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ووضع اليد مع الهيئة الناظمة للقطاع لتحقيق الانتظام، وإلا فإن الأمور ذاهبة إلى مكان أسوأ بما لا يقاس.