تجربة أنقذت عملات العالم: هل حان وقت “مجلس النقد” في لبنان؟

إنّ مجلس النقد ليس هيئة ناظمة تضم موظفين وتتقاضى رواتب، بل هو نظام صرف جديد يقوم على مجموعة قواعد صارمة يفرضها المصرف المركزي على نفسه لضمان عدم انهيار الليرة. ويقضي هذا النظام بأن يقابل كل مبلغ من الليرة موجود بين أيدي الناس مبلغ مماثل من الدولار محتجَز في صندوق احتياطي لدى المصرف المركزي، بحيث تصبح الليرة مغطاة بنسبة 100% على سعر صرف ثابت. وتنبع الثقة بالليرة، بحسب هذا الطرح، ليس من الثقة بحاكم المصرف أو بالطبقة السياسية، بل من وجود الدولارات فعلياً في الصندوق مقابل كل ليرة متداولة.

يُشار إلى أن الليرة كانت تُغطّى نظرياً بالذهب بموجب قانون النقد والتسليف، غير أن التقلبات الحادة في أسعار الذهب تجعل الدولار غطاءً أكثر استقراراً وملاءمة، خصوصاً أن الاقتصاد اللبناني مدولر أصلاً بحكم الواقع. وتبلغ الكتلة النقدية بالليرة اليوم نحو 600 إلى 700 مليون دولار، في حين يفوق الاحتياطي لدى مصرف لبنان 11 إلى 12 مليار دولار، ما يجعل تخصيص هذا المبلغ فقط لتغطية الليرة أمراً ممكناً من دون المساس ببقية الاحتياطي المخصص لالتزامات أخرى كسندات اليوروبوندز وودائع المصارف.

تُقارَن التجربة اللبنانية بتجارب دول أخرى اعتمدت مجلس النقد إثر أزمات اقتصادية حادة، مثل بلغاريا وإستونيا وهونغ كونغ، حيث نجح هذا النظام في وقف الانهيار النقدي وكبح التضخم المفرط، وأسهم لاحقاً في استعادة الاستثمارات وتحسين وضع القطاع المصرفي، رغم أن هدفه المباشر ليس معالجة الأزمة المصرفية بل تثبيت الاستقرار النقدي. وتُطرح “المبادرة الوطنية للاستقرار النقدي”، التي شارك فيها خبراء دوليون بارزون بمن فيهم حاكم سابق للمصرف المركزي الفرنسي ومدير عام سابق لصندوق النقد الدولي، بوصفها خطوة جدية نحو تفعيل هذا الخيار برعاية مصرف لبنان.

يُختم بالتأكيد أن اعتماد نظام “الربط الصارم” يُعدّ خطوة ضرورية وممهِّدة لأي انتقال مستقبلي نحو نظام صرف عائم، إذ يتعذّر تحرير سعر الصرف في بلد مدولر يفتقر إلى إصلاحات مالية وحوكمة رشيدة، فيما تبقى مسألة إعادة هيكلة القطاع المصرفي وتفاوض الدولة مع الدائنين ملفات موازية يجب معالجتها بالتوازي مع أي إصلاح نقدي.

اضغط هنا لمشاهدة المقابلة على قناة LBC