بيروت تحتضن المؤتمر العربي لمكافحة غسل الأموال وتعزيز الثقة بالقطاع المالي

غسل الأموال

عقد في بيروت المؤتمر العربي الإقليمي لمواجهة غسل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب، برعاية رئيس مجلس الوزراء الدكتور نواف سلام ممثلاً بوزير الاقتصاد والتجارة الدكتور عامر البساط، في فندق فينيسيا إنتركونتيننتال، بدعوة من اتحاد المصارف العربية والاتحاد الدولي للمصرفيين العرب ومجموعة مديري وخبراء الالتزام، وبمشاركة مسؤولين وخبراء وممثلين عن الجهات الرقابية والمصرفية والقضائية من لبنان وعدد من الدول العربية.

فتوح

وأكد الأمين العام لاتحاد المصارف العربية الدكتور وسام فتوح أن التحدي لم يعد مرتبطاً بنقص الخبرات أو وضوح المعايير الدولية، بل بوجود الإرادة السياسية الجامعة لتنفيذ الإصلاحات. وشدد على أن تجارب الدول أثبتت أن بناء منظومات فعالة لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب واستعادة الثقة يتطلب قراراً سياسياً ثابتاً يجعل الإصلاح أولوية وطنية. واعتبر أن رعاية رئيس الحكومة للمؤتمر والمشاركة الواسعة من القضاة والأمنيين والمصرفيين والدبلوماسيين تؤكد أن مواجهة الجرائم المالية مسؤولية وطنية مشتركة.

الأتربي

بدوره، شدد رئيس مجلس إدارة اتحاد المصارف العربية محمد محمود الأتربي على أن القطاع المصرفي يواجه مخاطر متزايدة بفعل الجرائم المالية العابرة للحدود والذكاء الاصطناعي والأصول الافتراضية والاحتيال الإلكتروني والهجمات السيبرانية. وأكد أهمية تطبيق توصيات مجموعة العمل المالي «فاتف»، خصوصاً النهج القائم على المخاطر، وتعزيز الشفافية وقواعد المستفيد الحقيقي والتعاون الدولي وتبادل المعلومات.

وقال الأتربي إن «الثقة هي جوهر القطاع المصرفي»، مشدداً على أن الالتزام ليس تكلفة بل استثمار في الاستدامة، وأن الحوكمة ليست عائقاً أمام النمو بل شرط لحمايته. ودعا إلى بناء ثقافة مؤسسية تبدأ من مجالس الإدارة والإدارة العليا وتمتد إلى جميع العاملين، مع تحقيق توازن بين الابتكار والرقابة، بما يسمح بتطوير الخدمات المصرفية من دون فتح منافذ جديدة أمام الجرائم المالية. كما أكد ضرورة الاستثمار في الكفاءات البشرية لمواكبة التطور التكنولوجي والذكاء الاصطناعي.

طربية

من جهته، أكد رئيس مجلس إدارة الاتحاد الدولي للمصرفيين العرب الدكتور جوزيف طربيه أهمية انعقاد المؤتمر في لبنان، معتبراً أن مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب لم تعد مجرد التزام مصرفي أو قانوني، بل أصبحت جزءاً من حماية الاقتصاد الوطني واستقرار النظام المالي والحفاظ على ثقة المجتمع الدولي.

وأشار طربيه إلى أن الدول العربية قطعت خطوات مهمة في تطوير الأطر التشريعية والمؤسساتية، إلا أن التحدي الأساسي يكمن في فعالية التطبيق. وشدد على أن المصارف تمثل خط الدفاع الأول في مواجهة الأموال غير المشروعة، وأن مكافحة غسل الأموال يجب ألا تقتصر على القطاع المصرفي، بل تشمل الشركات والتجارة والعقارات والمهن والقطاعات الأخرى، مع تعزيز دور القضاء والأجهزة الأمنية ووحدات المعلومات المالية.

وأكد أن التعاون العربي والدولي بات ضرورة، لأن الأموال غير المشروعة تستطيع الانتقال بسرعة بين الدول، داعياً إلى تنسيق أكبر بين الجهات الرقابية والأمنية والقضائية والضريبية وتبادل الخبرات في التحقيقات المالية.

وفي ما يتعلق بلبنان، اعتبر طربيه أن تعزيز فعالية منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب يجب ألا ينظر إليه فقط باعتباره استجابة للمعايير الدولية، بل باعتباره جزءاً من عملية استمرار الثقة بالقطاع المالي اللبناني. ودعا إلى تعزيز استقلالية الجهات الرقابية والقضائية، وتطوير أنظمة الامتثال، وتحسين جودة المعلومات المالية وتطبيق قواعد المستفيد الحقيقي.

صفير

أما رئيس جمعية مصارف لبنان الدكتور سليم صفير، فركز على أهمية استعادة الثقة بالاقتصاد والمؤسسات اللبنانية من خلال استكمال الإصلاحات المالية والاقتصادية وتعزيز سيادة القانون والحوكمة والشفافية. وأكد استمرار المصارف اللبنانية في تطوير منظومة الامتثال وإدارة المخاطر، والتعاون مع مصرف لبنان وهيئة التحقيق الخاصة والسلطات المختصة.

ودعا صفير إلى معالجة الأزمة المصرفية ضمن مقاربة وطنية متوازنة تحفظ حقوق المودعين واستقرار القطاع، مشدداً على أن بناء الثقة مسؤولية مشتركة بين الحكومة ومصرف لبنان والمصارف والسلطات الرقابية والقضائية. كما أكد أن أي قانون إصلاحي لن يحقق أهدافه ما لم تلتزم به جميع الأطراف.

سعيد

بدوره، عرض حاكم مصرف لبنان كريم سعيد مبادرة «حلقات النار الثلاث» التي أطلقها المصرف في 2025 لتعزيز الحماية المؤسسية. وتشمل المبادرة تشديد شروط الدخول إلى النظام المالي، وتعزيز مراقبة العمليات وعلاقة المصارف بعملائها، وحماية العلاقات مع المصارف المراسلة من مخاطر عدم الامتثال. وأكد سعيد أن ضعف أي حلقة يمكن أن يهدد المنظومة بأكملها، مشيراً إلى أهمية مواجهة مخاطر الفساد والأموال غير المشروعة بالتوازي مع مكافحة تمويل الإرهاب.

ولفت إلى أن مصرف لبنان يعمل مع بنك فرنسا المركزي على إعداد أطر تنظيمية للأصول الرقمية والتكنولوجيا المالية، كما يتعاون مع السلطات اللبنانية لتنفيذ خطة العمل المتفق عليها مع «فاتف». وشدد على أن نجاح الإصلاح يقاس بالنتائج والتحقيقات الفعلية، لا بعدد القوانين والتقارير.

البساط

من جهته، اعتبر وزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط أن مكافحة غسل الأموال ليست ملفاً تقنياً، بل جزء من مشروع إعادة بناء الدولة، خصوصاً بعد الأضرار الاقتصادية والاجتماعية التي خلفتها الحرب والأزمة المالية. وأشار إلى أن الحكومة اتخذت خطوات تشريعية وإجرائية لإخراج لبنان من اللائحة الرمادية، بينها إصلاح السرية المصرفية وإعادة هيكلة المصارف ومشروع استقلالية القضاء، إضافة إلى تعزيز مكافحة التهرب الضريبي والجمركي وضبط الحدود.

وأكد البساط أن بقاء لبنان تحت المراقبة المعززة يمثل إنذاراً وليس حكماً نهائياً، مشدداً على ضرورة الانتقال من التشريع إلى التنفيذ الفعلي، ولا سيما في مجالات تقييم المخاطر وشفافية المستفيد الحقيقي والرقابة على المهن غير المالية.

وختم بالتأكيد أن إعادة الحياة إلى قطاع مصرفي سليم تشكل جزءاً أساسياً من مكافحة الاقتصاد غير المشروع، مشيراً إلى مشروع معالجة الفجوة المالية واسترداد الودائع، وإلى استمرار مسار الاتفاق مع صندوق النقد الدولي. وقال إن لبنان يحتاج إلى استعادة الثقة لجذب الاستثمار وإعادة الإعمار، مؤكداً أن «لا نمو من دون استثمار، ولا استثمار من دون ثقة، ولا ثقة من دون نظافة مالية»، داعياً المصارف العربية إلى الشراكة في دعم لبنان وعودة بيروت عاصمة للثقة المالية.