ما أضيق الحياة في لبنان لولا تحويلات المغتربين. أموال تتدفق من الخارج بوتيرة متتابعة تمثل خشبة الخلاص من براثن الجوع للكثير من الأسر، ومصدر للصرف المستفيض لبعضها. التفاوت الذي تخلقه هذه التحويلات، والذي يمكن مشاهدته بأم العين على أرض الواقع بين عائلات تعيش على كفاف التحويلات وأخرى تنفق على البذخ والترف، لا يلغي أهميتها. وتدرجها من حيث القيمة الشهرية للحوالة الواحدة من عشرات آلاف الدولارات نزولاً إلى 50 دولاراً ليس المشكلة. وازدياد عددها بعد الانهيار في العام 2019 يمكن تبريره بدخول عائلات جدد في دوامة الحاجة. إنما ما يشكل حالة شاذة يتمثل بكون هذه التحويلات أصبحت أهم من الأموال التي يستطيع الاقتصاد نفسه توليدها بالداخل.
يقارن الخبير الاقتصادي وليد أبو سليمان بين ما تتلقاه مجموعة من البلدان المصنفة الأكثر استقطاباً للتحويلات وبين ناتجها المحلي في العام 2024. المملكة الأردنية الهاشمية تلقت 8.3%. مصر 7.6%. الفليبين 8.7%. النيبال 26.2%، فيما شكلت تحويلات المغتربين نحو 33.3% من الناتج المحلي اللبناني للعام نفسه. والمفارقة لا تقتصر على التفاوت الكبير المحقق مع أكثرية الدول، إنما في تجاوز المتوسط العالمي الذي يبلغ 0.8% بنحو 42 ضعفاً.
انعكاسات التحويلات
بقدر ما تساعد تحويلات المغتربين الأسر على الصمود، بقدر ما أصبحت تطرح تساؤلات عن تداعياتها الماكرو-اقتصادية. فكل مئة دولار ينتجها الاقتصاد اللبناني، يقابلها أكثر من 33 دولاراً من تحويلات المغتربين. وهذا يوضح بحسب أبو سليمان أن “التحويلات لم تعد مجرد دعم إضافي للأسر، بل جزءاً أساسياً من دورة الاقتصاد والسيولة بالدولار”. فهي تمول الاستهلاك، وتساعد الأسر على تغطية التعليم والطبابة والغذاء، وتوفر دولارات يحتاجها الاقتصاد بشدة.
لكن هذه المساعدة لا تأتي من دون أكلاف. فكلما زاد اعتماد لبنان على التحويلات، أصبح أكثر تعرضاً لصدمات الخارج. ولعل المثال الأبرز نعيشه الآن، حيث تهدد الحرب الإقليمية واضطراب اقتصادات الخليج، وهي مصدر رئيسي للتحويلات اللبنانية، بتراجع التدفقات. الأمر الذي يزيد الضغط على الاقتصاد اللبناني. فتراجع تدفق الدولارات يعني تراجع مداخيل الأسر وبالتالي الاستهلاك، مما يؤدي إلى ضعف النشاط التجاري وزيادة الضغط على السيولة وميزان المدفوعات.
ماذا لو تراجعت التحويلات؟
عندما يصبح الجزء الأكبر من التدفقات الداخلة يعتمد على نشاط اللبنانيين في الخارج، فإن السؤال لا يعود بحسب أبو سليمان: كم سترسل الجالية؟ بل: ماذا سيحدث للاقتصاد إذا أرسلت أقل؟
هذا هو الخطر الحقيقي. فالتحويلات التي تعمل اليوم كـ”وسادة أمان” قد تتحول غداً إلى نقطة تركّز للمخاطر، لأن الاقتصاد يصبح شديد الاعتماد عليها إلى درجة يصعب معها تعويض غيابها من مصادر داخلية.
التحويلات والمرض الهولندي
التسليم جدلاً بعدم تأثر التحويلات بالظروف الخارجية، وإمكانية محافظتها على اتساقها، أي بين 6.7 و7 مليارات دولار عبر القنوات الرسمية، وأكثر من 15 ملياراً تنقل باليد أو بوسائل أخرى، يقودنا إلى مكمن الخطر الثاني، وهو ازدياد حصة الحوالات من الناتج أكثر. فطالما يتم تأجيل الإصلاحات البنيوية بالتوازي مع استمرار الحرب، فإن الاقتصاد معرض للانكماش عاماً بعد آخر. هذا العام يتوقع أن ينكمش الاقتصاد بنسبة لا تقل عن 7%. وبافتراض أن الناتج المحقق في نهاية العام 2025 وصل إلى 31 ملياراً و567 مليون دولار، فإن الناتج للعام 2026 سيكون بحدود 29 مليار دولار. ما يعني أن التحويلات ستشكل ما بين 25% من الناتج بالحد الأدنى، انطلاقاً من التحويلات الرسمية، و76% إذا أخذنا بالاعتبار ما ينقل باليد من أموال إلى الأفراد والمؤسسات أو عبر العملات المشفرة.
اعتماد الاقتصاد المفرط على تحويلات المغتربين في ظل غياب الإصلاحات لا يقتصر على استمرار ارتفاع نسبتها من الناتج سنة بعد أخرى فحسب، إنما يهدد بتكريس التشوهات في الاقتصاد. ففي ظل إفلاس المصارف وفقدان الثقة بها، وارتفاع الأكلاف الإنتاجية، وفقدان الشهية على الاستثمار، وغياب الأمن والأمان.. تذهب هذه التحويلات على الاستهلاك المستورد، بأكثر من 90% منه من الخارج. وهو الأمر الذي يعمق الهوة في الميزان التجاري، حيث وصل العجز أول 5 أشهر فقط من العام الحالي إلى 7.2 مليار دولار، بزيادة 8% عن الفترة نفسها من العام الماضي. وإن كان تفاقم العجز لا يعود فقط إلى زيادة كمية المستوردات، إنما ارتفاع سعرها، فهو مؤشر سلبي يضغط على ميزان المدفوعات وسعر الصرف.
أقرب شبيه للحالة التي يمر بها الاقتصاد هو ما حصل في هولندا عقب اكتشاف الغاز. فالمجتمع تحول إلى الاستهلاك بنهم، وارتفعت قيمة العملة بشكل حد من تنافسية المنتجات المحلية، وتكرست اللامساواة بين المواطنين، والحد من الاستثمار في القطاعات الإنتاجية. وهذا هو جوهر الإصابة بـ “المرض الهولندي” كما وصفته “الإيكونومست” منذ أكثر من أربعة عقود (1982)، وإن كانت الاقتصادات قد عرفته عبر مراحل وظروف شتى من تاريخها، والأمثلة كثيرة.
تحويلات المغتربين في النهاية تساهم بشكل مباشر وغير مباشر في دعم ما لا يقل عن 7 أهداف رئيسية من أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة الـ17. وبالنسبة إلى لبنان، فإن المشكلة إذاً ليست في قيمة التحويلات، إنما في تراجع الناتج المحلي. ولتحويل هذه التحويلات من مدعاة للتساؤل عن المخاطر إلى ضوء أخضر، على الاقتصاد أن ينمو وعلى مصارفه أن تُصلح. والأهم أن تنتهج في المستقبل نهجاً مخالفاً للماضي، بحيث توظف الودائع في خدمة الاقتصاد، وليس العجز العام. وبهذه الطريقة تتحول التحويلات إلى نعمة للاقتصاد، ويتم توظيفها في تحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية، وليس فقط إنفاقها على الاستهلاك أو ادخارها “تحت المخدة”، بما يفقدها قيمتها مع ارتفاع التضخم محلياً وخارجياً.
