على غرار ما يحصل عقب إقرار الموازنات والقوانين المالية تحديداً، انصرف أكثرية النواب من جلسة إقرار إصلاح المصارف من غير أن يعلموا ما الذي جرى أو على ماذا صوّتوا. مسؤولية هذا الضياع لا يتحملونها منفردين. فالفوضى التي ترافقت مع عرض المواد البالغة التعقيد ونقاشها والتصويت عليها برفع الأيدي وإقرارها بلمح البصر، بخفّة قلّ نظيرها في عالم الإحصاء، تزيد الغموض والإبهام. الخبر اليقين لن يخرج إلا بعد تفريغ محضر الجلسة والاطلاع على الصيغة النهائية للقوانين. عندها يكون “الفأس قد وقع في الرأس”، ولا يعود للندامة من نفع.
مرت مواد هذا القانون المُقرّ أساساً في 31 تموز 2025، في أربعة مراحل مفصلية بعدما استردّته الحكومة لتعديله بطلب من صندوق النقد الدولي. المرحلة الأولى تمثلت في إدخال وزارة المالية تعديلات على معظم المواد بجلسات ماراثونية تخطّت الـ80 ساعة مع صندوق النقد. المرحلة الثانية كانت تصدّي مصرف لبنان للعديد من المواد المعدّلة، ولا سيما 3 و13، وطلب تعديلهما. المرحلة الثالثة مناقشته في لجنة المال والموازنة وتعديل بعض المواد بحسب “الأهواء”. المرحلة الرابعة إدخال تعديلات على التعديلات من قبل النواب أثناء التصويت عليه في الجلسة العامة.
تفخيخ القانون
أبرز التعديلات وأخطرها كانت تلك التي أُدخلت على المادة المتعلقة بتصفية المصارف المتعثرة مستقبلاً، إذ أضيف إليها أنه في حال التصفية، يجب أن تخضع تغطية الودائع لقانون الانتظام المالي واسترداد الودائع (المنتظر إقراره). في حين نصت المادة الأساسية على أنه “في حال تصفية مصرف، تُغطى الودائع وفقًا للمعايير والأحكام التي يحددها هذا القانون ونظام المؤسسة الوطنية لضمان الودائع وتعديلاته”.
هذا التعديل، الذي أُدخل بإصرار من بعض النواب، يبدو من حيث الشكل بسيطاً، لكنه يحمل في مضمونه مخالفات جوهرية للمنطق، تنمّ عن واحد من أمرين: إما جهل بالقوانين المالية، وإما نية مبيّتة لتفخيخ القانون. ففي حين يُعتبر قانون إعادة هيكلة المصارف قانوناً دائماً لمعالجة حالات التعثر والمخالفات المصرفية في المستقبل، ينحصر دور قانون الانتظام المالي في المعالجة الآنية للمشكلة القائمة. وعليه، فإن الأخير قانون إطاري ذو مفعول ضيق، ينتهي بعد عدد من السنوات، فيما سيُعتمد قانون إعادة الهيكلة لمعالجة حالات التعثر التي قد تطرأ بعد معالجة تداعيات الانهيار الحالي.
الأهم من ذلك أن معالجة الانهيار الآني تتطلب تدخلاً من الدولة ومصرف لبنان، ولو كان وفقاً لـ “تراتبية تحمّل المسؤوليات والخسائر“، في حين أن أي تعثر مستقبلي للمصارف يجب أن يُعالج بمعزل عن أي تدخل خارجي. وعليه، لا يجوز ربطه بأي شكل من الأشكال بقانون الانتظام المالي.
مصادر في وزارة المالية، استغربت إدخال هذا التعديل، معتبرة أن معالجة الإشكالية ممكنة من خلال آليات التطبيق، أو حتى عبر إمكانية تعديله بمرسوم بعد صدور القانون. فبغض النظر عن موقف صندوق النقد الدولي منه، فان هذا التعديل غير منطقي ويخالف الأصول والقوانين المرعية الإجراء.
المادة 13
من المواد التي طالتها التعديلات، وفقاً لـ “الأهواء” أيضاً، كانت المادة 13، وهي من المواد الإشكالية. ففي حين نصّت الصيغة الحكومية، المتوافقة مع متطلبات صندوق النقد الدولي، على أنه “يجوز للهيئة المصرفية العليا، بموافقة أكثرية ثلثي أعضائها، الطلب من المصرف المركزي إصدار تعاميم لأجل تنظيم إجراءات تنفيذ هذا القانون”، عدّلت لجنة المال والموازنة هذه المادة، وحصرت دور الهيئة المصرفية العليا في التوصية بإصدار التعاميم، بدلاً من أن يكون لها دور في فرض إصدارها.
المادة 3
أما الخرق الكبير، فتمثّل في عدم الأخذ بتعديلات لجنة المال والموازنة المتعلقة بالمادة 3، التي تتناول أهداف القانون وآلية المعالجة المستقبلية، إذ لم يُؤخذ باقتراح إخضاعها لأحكام المادة 70 من قانون النقد والتسليف.
وكان من شأن اعتماد هذا التعديل أن يمنح مصرف لبنان صلاحيات استنسابية، بمعزل عن قرار الهيئة المصرفية العليا بإحالة المصرف المتعثر إلى التصفية أو إعادة الهيكلة، مستقبلاً وبعد معالجة تداعيات الانهيار المصرفي.
والفرق بين الإجرائين كبير. ففي حين تمثّل إعادة الهيكلة، في بعض الحالات، مخرجاً يحمي المصرف من الملاحقة وحجز الأصول والمحاسبة على الأخطاء، ويتيح له متابعة العمل بعد تأمين الرأسمال المطلوب، فإن التصفية تمثّل مسار المحاسبة الجدية وإنهاء وضع المصرف المتعثر.
وعليه، كان الإبقاء على المادة 70 من شأنه أن يسمح للقيمين مستقبلاً على مصرف لبنان بعدم الحكم بموضوعية على حالة تعثر أي مصرف، وأن يترك المجال لمحاولات حماية المصرفيين وفق قواعد غير علمية أو غير موضوعية. وبإزالة هذا الاحتمال، أُزيل هذا الخطر.
المادة 11
أما الخرق الكبير الثاني، فتحقّق في عدم اعتماد ملاحظات الحكومة وصندوق النقد الدولي بشأن المادة 11، لجهة إلغاء إمكانية اعتراض المصرف أمام الهيئة على نتائج التقييم، أو حصر معالجة هذا الاعتراض فقط في حال التثبت من وجود أخطاء واقعية (factual errors).
تسلسل الإصلاح المالي
أُقرّ القانون الثاني في “سلة” الإصلاح المالي، بعد قانون السرية المصرفية، ولم يبقَ سوى قانون الانتظام المالي. وعلى الرغم من أهمية هذا الإقرار، فإن طريقة إقرار القوانين بقيت مقلوبة رأساً على عقب؛ إذ إن لم تكن وراءها نية سيئة، فهي، في أفضل الأحوال، ستؤدي إلى المزيد من الإرباك. وكنا لنتجنب الكثير من هذا الإرباك لو جرى إقرار قانون الانتظام المالي أولاً، ومعالجة أوضاع المصارف والودائع وفقاً لأحكامه، ومن ثم وضع قانون لإعادة هيكلة المصارف مستقبلاً.
إقرار قانون إعادة الهيكلة قبل الانتظام المالي خلق توجسا من الأمور التي يخشاها البعض حالياً، فيما كان المطلوب أن يكون قانوناً دائماً لتنظيم القطاع المصرفي ومعالجة حالات التعثر المستقبلية، لا أداة لمعالجة تداعيات الانهيار المصرفي الحالي.
