“السكانر” يا فرحة ما تمت

"السكانر"

استبشر المصدرون عموماً، والمزارعون خصوصاً، خيراً بتركيب الماسح الضوئي “السكانر” على معبر المصنع الحدودي. فالتدقيق بالبضائع المحمّلة من لبنان بشكل احترافي، وتأكيد خلوّها من أي ممنوعات، هو “طريق باتجاه واحد” للوصول براً إلى المملكة العربية السعودية، ومنها إلى بقية الدول الخليجية.

أهمية هذا الطريق لا تقتصر على بُعده التاريخي، بل بكونه “عريضاً” و”سريعاً”. فقبل “القطيعة” في العام 2021، أوصل إلى أسواق المملكة 230 مليون دولار من الصادرات اللبنانية، منها 50 مليون دولار من محضّرات الخضار والفواكه والحمضيات. في المقابل، لا تستغرق الرحلة أكثر من أسبوع، مقارنةً بأسابيع في البحر، وبكلفة أقل، مما يضمن عدم تلف البضاعة، وتعزيز قدرتها التنافسية، وتحقيق عوائد أعلى.

معوقات بيروقراطية

انطلاقاً من هذه الأهمية، لا يعود مستغرباً استقبال دخول “السكانر” الخدمة الرسمية في المصنع قبل أيام قليلة بـ”الطبل والزمر”. فالمصدرون طربوا أثناء حفل الافتتاح في العاشر من آب بالإشادات الكبيرة بالخطوة المفصلية. وناموا على “سمفونية” أن “الجهات المعنية، (بملف التصدير)، ستعمل كخلية عمل واحدة”، التي أطلقتها المديرة العامة للجمارك غراسيا القزي، و”ذلك بهدف إظهار صورة إيجابية عن الإدارة اللبنانية، وتعزيز الثقة بالمنتجات اللبنانية في الأسواق الخارجية، بما يساعد على إعادة فتح الأسواق أمام الصادرات اللبنانية وتطوير حركة التبادل التجاري”.

في اليوم التالي، بعد الاستيقاظ من سُكر حفل الافتتاح، وبدء شدّ الرحال على التسفير، تفاجأ المصدرون بعراقيل مبتكرة. فبعد كل عملية كشف، أصبح يتوجب إرسال البيان الجمركي إلى الإدارة العامة للجمارك للموافقة على التصدير. “وهذا يتطلب وقتاً طويلاً قد يؤدي إلى تلف المنتجات الزراعية الموجودة في البرادات، التي لا تزال متوقفة في المصنع”، يقول رئيس الاتحاد الوطني للفلاحين إبراهيم الترشيشي.

“في كل مرة نحاول فيها فتح باب لتصريف منتجاتنا، تُغلق في وجهنا أبواب”، يضيف الترشيشي. “تارةً يُطلب أن يكون سائق الشاحنة لبنانياً، وطوراً يُشترط أن تكون الشاحنة وطنية، ومرةً يعرقل تسجيل الشاحنات للنقل الخارجي”. هذه العراقيل المتتالية “لا علاقة لها بالتصدير”، برأي الترشيشي، و”هي تؤدي إلى ارتفاع أجور الشحن وكلفة النقل، مما يفقد التصدير جدواه الاقتصادية”.

رغم كل الوعود لفتح أبواب التصدير، فإنه لغاية اليوم، أي بعد شهرين على فتح أبواب السعودية أمام المنتجات اللبنانية، ما زالت العملية متوقفة. ويعزو الترشيشي السبب إلى تلكؤ الإدارات الرسمية، وبطء المعاملات، والعراقيل الكثيرة غير المفهومة التي توضع في طريق المصدرين.

محدودية الأسطول

المشكلة أن تسريع المعاملات الجمركية لا يحل المشكلة نهائياً، فجهاز السكانر لن يكون قادراً، بحسب توقعات المصدرين، على الكشف عن 150 شاحنة يوميًا كما هو محدد. وكلما تباطأت العملية، سواء كان ذلك لأسباب تقنية أو بسبب استعمال الجهاز للكشف عن الشاحنات المستوردة عند الحاجة، سيتسبب ذلك في تأخير إضافي لحركة الشاحنات.

وتزداد مشكلة التأخير في ظل تراجع أعداد الشاحنات التي تتناسب مع متطلبات وشروط النقل الخارجي، والحاجة إلى قيامها بالمهمة بأسرع وقت ممكن، لإفساح المجال أمام تحميلها من جديد والتصدير. فمن أصل نحو 1000 شاحنة كانت معدة للنقل الخارجي، تراجع العدد إلى نحو 250 شاحنة، بحسب مصادر المصدرين. ومن الصعوبة بمكان شراء شاحنات جديدة، نظراً إلى أن القانون اللبناني يمنع استيراد الشاحنات التي يعود تاريخ تصنيعها إلى ما قبل العام 2020. أما الشاحنات التي صُنّعت بعد هذا التاريخ، فأسعارها مرتفعة جدًا، ولا تقل عن 100 ألف دولار للشاحنة، ما يجعل عملية شرائها في ظل الظروف الراهنة صعبة. في حين أن أسعار الشاحنات التي يتراوح عمرها بين 10 و12 سنة تقل عن نصف هذا السعر، ومن شأن السماح بإدخالها توسيع اسطول النقل الخارجي وتجديده بوتيرة أسرع.

دخل جهاز “السكانر” الخدمة الفعلية، لكن “الفرحة ما تمت”. فالاستفادة من فتح باب السعودية للاستيراد من لبنان، والذي أصبح نافذاً بموجب مرسوم منذ الأول من آب، بعد صدور القرار والإعلان عنه في 11 حزيران، تتطلب أكثر من جهاز سكانر. المطلوب بنية تشريعية واقتصادية متكاملة تتيح للمصدرين التصدير بسهولة ومن دون عوائق أو معاملات بيروقراطية.