مؤسسة الكهرباء.. “فالج” الفساد لا يعالج بـ “المسكنات”

الكهرباء

أشغلت مؤسسة كهرباء لبنان الرأي العام بالمستحقات على إدارات الدولة ومؤسساتها ومصالحها المستقلة على مدار الأيام الماضية. “لبطت إجرها بالأرض”، متوعدة بعدم التراجع قيد أنملة عن المطالبة بتحصيل المبلغ المقدر بنحو 270 مليون دولار.  وهو نهج جديد أرساه مجلس الإدارة الجديد الطامح إلى إدخال تغيير جذري في آلية عمل المؤسسة وتحصيل حقوقها، حتى لو كانت من “أبناء جلدتها” من القطاع العام.

التهديد بقطع التيار الكهربائي عن المؤسسات، سواء كانت عامة أم خاصة، هو كمن “يهدّد الغريق بالبلل”. فأساساً، التغذية لا تزيد بالمتوسط عن 4 ساعات. وغالباً ما تصل خارج أوقات الدوام الرسمي، ولا سيما إذا كنا نتحدث مثلاً عن البلديات أو الإدارات في مناطق الأطراف. وباستثناء بعض الإدارات والمراكز الحساسة، فإن الكهرباء العامة لا تلمع في سقف أكثرية المؤسسات العامة. أما إذا كان التعويل على زيادة ساعات التغذية في المستقبل، فإن أقصى ما ستصل إليه هو 9 ساعات في العام 2030، بحسب التخطيط. وقد لا تصل أبداً إذا بقي النهج المعتمد في إدارة المؤسسة على ما هو عليه.

الهدر والفساد

هذا من حيث الشكل، وبنوع من السخرية الممزوجة مع جدية ما تفصح عنه الأرقام فعلياً. أما في المضمون، ولضرورة تصويب الموضوع، فإن تسديد المؤسسات العامة فواتيرها هو واجب قبل أن يكون حقاً لمؤسسة الكهرباء. والمطالبة يجب آلا تقتصر على مؤسسات الدولة، إنما أيضا المناطق حيث نسبة الجباية لا تتجاوز 60 في المئة وهي تختلف بشكل كبير بين المناطق، وتبعا لطريقة عمل شركات مقدمي الخدمات. إنما مشكلتنا الفعلية أكبر بكثير من 270 مليون دولار متراكمة لصالح الكهرباء. المشكلة في التركة الثقيلة الجاسمة على صدر المؤسسة والتي تتصل بإمكانية ضياع أي مبلغ يدخل المؤسسة في زواريب الهدر والفساد، من دون أن يحدث أي فرق فعلي في ساعات التغذية.

على مدار العقود الثلاثة الماضية، دخل مؤسسة كهرباء لبنان نحو 5 مليارات دولار من الاستثمارات المباشرة في البنى التحتية. عقدان منهما كانت المؤسسة تحت الإدارة المباشرة لكمال حايك، الذي تربع على عرش مجلس الإدارة منذ العام 2002. ومن الأجدى السؤال عن هذه المبالغ: كيف تم التصرف بها؟ وعلى ماذا أنفقت؟ والأهم من هذا كله، السؤال عن سبب تراجع الإنتاج الدراماتيكي وسوء التغذية التدريجي.

الإنفاق الاستثماري على الكهرباء

بين العامين 1990 و2019، أنفقت الدولة 3 مليارات و660 مليون دولار على مشاريع الكهرباء، بحسب الأرقام التي أفصحت عنها أليسيا جمال، محللة الإحصاءات في الشركة الدولية للمعلومات، بأحد البرامج الحوارية. ومنحت الكهرباء ملياراً و280 مليون دولار من الجهات الدولية بين 1992 و2021.

مجموع ما أنفق على البنى التحتية كان يكفي لإنشاء 7 معامل شبيهة بمعملي دير عمار والزهراني، اللذين تراوحت تكلفة إنشاء الواحد منهما بين 500 و700 مليون دولار، وبقدرة إنتاجية تصل إلى 500 ميغاواط. وكان لبنان لينعم بإنتاج لا يقل عن 3500 ميغاواط، كافية لسد حاجته وتأمين الكهرباء 24/24.

هذا ما لم يحصل، ولن يحصل في المستقبل. فبحسب ملحق خطة تغطية التكاليف وإعادة هيكلة الكهرباء، لن تتجاوز ساعات التغذية الـ10 ساعات في العام 2030. ليس هنا مكمن الخطورة فحسب، بل إن إجمالي الخسائر لن يتراجع إلا بنحو 10%، من حالي 40% في العام 2025 إلى 29% في العام 2030. وسترتفع كلفة الوقود من 595 مليون دولار في العام 2025 إلى نحو مليار دولار في العام 2030. الأمر الذي دفع بالجمال للتعليق على الأرقام، قائلة إن الخسائر ستظل قائمة وكبيرة على أرض الواقع، فيما الربح المحقق سيكون فقط على الورق. ولن يترجم ذلك زيادة في ساعات التغذية أو تحقيق فوائض فعلية.

العقبة الأكبر

يفترض في الأعوام القادمة أن تنتقل مؤسسة الكهرباء من تكبد خسائر بنحو 68 مليون دولار في العام 2025 إلى تحقيق فوائض تصل إلى 240 مليون دولار في العام 2030. إلا أن استمرار كمال حايك على رأس مجلس إدارة الكهرباء والإدارة العامة للمؤسسة، مع كل ما يمثله من عرقلة إدارية وتغطية على مكامن الهدر وتعطيل الترقيات وتأخير التعيينات وعقد الصفقات، يعني أن الخسائر ستستمر بالتراكم.

ولعل العجز عن تحقيق فائض في الإيرادات في العام الحالي خير دليل على سوء هذا النهج. فقد كان متوقعاً، بالأرقام، تحقيق إيرادات بنحو مليار و236 مليون دولار هذا العام، مقابل نفقات بنحو مليار و227 مليون دولار، ما يسمح بتحقيق فائض بقيمة 109 ملايين دولار بحسب الخطة.

الكلفة هائلة

الكلفة الفعلية لا تتحملها خزينة الدولة فقط، إنما الاقتصاد بشقيه المؤسساتي والعائلي. وإن كانت الخسائر التي تكبدتها المؤسسات جراء غياب الكهرباء وارتفاع كلفتها التشغيلية وتراجع الاستثمارات وضعف شهية الإقبال قد أشبعت درساً وتمحيصاً، يبقى أن الأثر على العائلات لم يعد محتملاً.

بحسب أرقام الدولية للمعلومات، تتكلف الأسرة النموذجية الواحدة حالياً مبلغاً يتراوح بين 78 دولاراً و156 دولاراً لتأمين ما بين 4 و8 ساعات يومياً فقط من الكهرباء من المؤسسة العامة والمولدات. في حين كانت، قبل 10 سنوات، تدفع بين 60 و120 دولاراً وتحصل على ما بين 12 و20 ساعة تغذية يومياً. وليست هذه هي المفارقة الوحيدة. معظم الأسر تدنى دخلها بنسبة 50 في المئة أقله في العام 2026، بسبب انهيار قيمة الليرة والتضخم وتراجع المداخيل في القطاعين العام والخاص.

أمام هذا المشهد السريالي، يصح على مؤسسة الكهرباء  القول المأثور محلياً: “فالج لا تعالج”. فالمؤسسة مصابة بشلل يصعب علاجه بالأدوية التقليدية. والحل هو الانتقال سريعاً إلى تطبيق القانون 462، وفكفكتها وفصل أنشطتها عن بعضها البعض، والسماح للقطاع الخاص بالاستثمار في توليد وتوزيع الكهرباء على أعلى المستويات. وإلا فإن تكرار المكرر لن يأتي إلا بوابل الظلام.