تحرير مهنة الوساطة من الكفالة يعزّز المنافسة ويكسر الاحتكار في قطاع التأمين

التأمين

أعاد الانهيار الاقتصادي خلط “حابل” ودائع شركات التأمين في المصارف بـ”نابل” حقوق المؤمنين. فبرزت، منذ العام 2019، مشاكل لا تُعد ولا تُحصى جراء “لولرة” البوالص. وعلى الرغم من استعادة الاستقرار في القطاع بعد التحول نحو التسعير والدفع النقدي بالدولار، فإن الشركات خسرت جزءاً من عملائها، فيما قلّص الجزء الآخر قيمة البوالص؛ هذا عدا عن إشكالية عدم إمكانية توظيف عوائدها في الخارج، فاحتفظت الشركات بالإيرادات في خزائنها، وعوّضت نقص الفوائد برفع الأسعار.

المشهدية الباهتة هذه، قابلتها طروحات واضحة بضرورة إعادة هيكلة قطاع التأمين، وبناء أسسه على قواعد شفافة وسليمة. ولم تقتصر هذه الطروحات على شركات التأمين نفسها، بل طالت مختلف حلقات السلسلة الخدماتية للقطاع، ومنها شركات الوساطة وتمثيل شركات التأمين.

بمبادرة من مجموعة من النواب، منهم رئيس لجنة الاقتصاد والتجارة النيابية النائب فريد البستاني، وعضو تكتل “الجمهورية القوية” النائب رازي الحاج، والنائب في “لبنان القوي” نقولا الصحناوي، وغيرهم، تم تقديم مشروع قانون لتنظيم مهنة وساطة وتمثيل شركات التأمين. وتكمن أهمية المشروع في كونه يضع إطاراً تنظيمياً لم يكن موجوداً سابقاً، وذلك من خلال تحديد أدوار ومسؤوليات سماسرة ووكلاء وممثلي شركات التأمين، ومعالجة الثغرات التشريعية في الإطار الحالي، الذي يعود تاريخه إلى عام 1968.

الكفالة ومنع الاحتكار

ما ينتظره وسطاء التأمين من القانون “على أحرّ من الجمر” هو استبدال الكفالة المالية المعتمدة حالياً بـ”بوليصة تأمين المسؤولية المهنية” (Professional Indemnity Policy)، المعروفة اختصاراً بـ(PI Insurance)، والواردة في المقترح. فبعد استحكام الانهيار الاقتصادي، وللحد من عمليات الاحتيال على المؤمنين، فرضت وزارة الاقتصاد على وسطاء التأمين وضع كفالة مصرفية قدرها 50 ألف دولار. والاعتراض على هذه الكفالة لم ينحصر بكونها تزيد الضغوط على شركات الوساطة، في الوقت الذي لم يتم فيه تعديل رأسمال شركات التأمين، إلى درجة أن كفالة شركات الوساطة قد تفوق رأسمال بعض الشركات نفسها، إنما أيضاً لكونها تحدّ من المنافسة في السوق، وتقصي شركات الوساطة الصغيرة.

المفارقة أنه في الوقت الذي رُفعت فيه كفالة وسيط التأمين بنسبة 68%، من نحو 16.6 ألف دولار (25 مليون ليرة) قبل الانهيار في العام 2019 إلى 50 ألفاً حالياً، تم الإبقاء على كفالة مندوب التأمين نفسها، بنحو 3500 دولار. والفرق بين الوسيط والمندوب كبير جداً. ففيما الأخير موظف يمثل شركة تأمين واحدة، يكون الوسيط صاحب مهنة وممثلاً لأكثر من شركة.

تكريس الاحتكار

مشكلة الوسطاء مع الكفالة، عدا عن حجمها الكبير والمصاريف السنوية التي تُدفع عليها، والمقدّرة بنحو 2500 دولار، هي أنها لا تحمي المؤمن. وما تخشاه الجهات الرقابية من عمليات احتيال على المؤمنين، من خلال، مثلاً، عدم إيصال ما يُقبض من أموال إلى شركات التأمين، سيكون في كثير من الحالات أكبر بكثير من قيمة الكفالة، وبالتالي يصبح وضعها غير مبرر، بحسب المستشار في قطاع التأمين سليمان حبيقة.

الأهم من هذا كله أن قيمة الكفالة المرتفعة تُخرج الشركات الصغيرة من السوق، وتدفع الوسطاء إلى العمل كمندوبين لدى شركات التأمين الكبيرة، أو حتى لدى شركات الوساطة الكبيرة التي تستطيع تسديد قيمة الكفالة. وهذا يعني احتكار مهنة الوساطة وحصرها بالشركات الكبيرة، بما يحرم السوق من المنافسة، ويقلّص فرص العمل ودخول المزيد من الشباب إلى قطاع التأمين.

وعلى الرغم من التقدّم بطعن أمام المجلس الدستوري بعدم شرعية الكفالة، وإقرار الأخير بتجميد المادة التي تنص عليها إلى حين البت فيها، فإن العمل بها ما زال سارياً لغاية الآن، وهو ما يشكل عقبة أساسية أمام عمل الوسطاء.

الحل بالمنافسة

في المقابل، ينص مشروع القانون على استبدال الكفالة المالية بـ”بوليصة التعويض عن الأضرار المهنية”. ولا تقتصر أهمية هذه البوليصة على حماية المؤمنين من عمليات الاحتيال والأخطاء المهنية، بل تتيح أيضاً لوسطاء التأمين ممارسة أعمالهم من دون الحاجة إلى تجميد مبالغ مالية كبيرة، يصعب استردادها في ظل الظروف الاقتصادية التي يمر بها البلد.

كما ان استبدال نظام الكفالة  يمثل تحولاً جوهرياً في تنظيم مهنة وساطة التأمين، إذ إن حجم بوليصة المسؤولية المهنية أكبر بما لا يقاس، بحسب طبيعة الأعمال وحجم المخاطر. وهو نظام معمول به على نطاق واسع في دول العالم، حيث تُعتمد تغطية المسؤولية المهنية بدلاً من فرض كفالة مالية ثابتة على الوسطاء.

مشروع القانون يهدف إذا إلى تحديث الإطار التشريعي الناظم لقطاع وساطة التأمين، بما يعزز حماية المستهلك ويرسّخ المنافسة في السوق، خصوصاً في أعقاب الأزمة المالية. ومن المقرر مناقشة المشروع مع الجهات المعنية في القطاعين العام والخاص قبل إقراره، في إطار جهود أوسع لتحديث التشريعات الاقتصادية اللبنانية، وتعزيز الشفافية، وتحسين الرقابة التنظيمية، واستعادة الثقة بقطاع التأمين.