لبنان لا يستورد ثلثي حاجاته الاستهلاكية من الخارج.. حقيقة الأرقام وتأثيرها على الصناعة الوطنية

الصناعة

تنتشر على نطاق واسع بين العامة والخاصة مقولة إن 90% من السلع المستهلكة داخلياً مستوردة من الخارج. وعادةً ما يعقب مثل هذا التحليل تساؤل، ليس دائماً بريئاً، عن جدوى وجود الصناعة محلياً. فإن كانت البضائع تتدفق من الخارج كالنهر، فلنقفل “ساقية” صنع في لبنان، ونرتح من “تسطيمها” تارةً بارتفاع أكلاف الإنتاج، وطوراً بتخلّف البنى التحتية، ودائماً بتحميلها المزيد من الأعباء والرسوم التي “تشعشع” كل عام مثل الفوانيس السحرية في الموازنات السنوية.

الصناعيون اللبنانيون يرفضون شكلاً ومضموناً هذه المقولة، ويضعونها في سياق “الدعاية السلبية” لضرب الصناعة الوطنية. هذا من حيث الشكل. أما في المضمون، فللأرقام حكاية أخرى ترويها عن الحجم الكبير لحصة الصناعات الوطنية من الاستهلاك الداخلي. والمفارقة التي لا يعلمها كثيرون أن الصناعات المحلية الخفيفة ذات القيمة المضافة العالية تستحوذ على أكثر من نصف الاستهلاك الداخلي.

أرقام العام 2025

في العام الماضي، استورد لبنان سلعاً وبضائع بقيمة 21 ملياراً و76 مليون دولار. ومن الطبيعي أن هذا الرقم الهائل، الذي يمثل نحو 70% من الناتج، المقدّر بـ31.5 مليار دولار، يعطي دفعاً قوياً لاستحواذ المستورد على حصة المصنّع المحلي. إنما الدخول في تفاصيل الأرقام يكشف حقيقة أخرى.

من أصل واردات بقيمة 21 مليار دولار، هناك نحو 16 ملياراً ونصف المليار دولار مواد أولية ومصنّعات ثقيلة لا ينتجها لبنان، توزعت على الشكل التالي:

  • ذهب وفضة وألماس غير مصنّع بقيمة 2.8 مليار دولار.
  • وقود بقيمة 4.3 مليار دولار.
  • سيارات بقيمة 1.3 مليار دولار.
  • خردة ومواد من البلاستيك والورق بقيمة 217 مليون دولار.
  • مواد أولية بقيمة 4 مليارات دولار.

يبقى إذاً 8.4 مليارات دولار فقط عبارة عن سلع صناعية، سواء كانت غذائية أو كهربائية أو مواد تجميل وتنظيف… وخلافه. في المقابل، بلغت قيمة المنتجات الوطنية من هذه السلع والبضائع 10 مليارات دولار، تمثل 52.5% من الاستهلاك المحلي، مقابل 47.4% للمستورد من الخارج. وحتى في أسوأ السيناريوهات، باحتساب مجمل الواردات ومقارنتها مع الإنتاج الداخلي، تتراجع حصة الأخير إلى 37%، مقابل 62% للمستورد.

الصناعة
حصة الصناعة الوطنية من الاستهلاك المحلي

إثارة الخشية على الأمن الغذائي

الأرقام تدحض، باعتقاد نائب رئيس جمعية الصناعيين، زياد بكداش، مقولة إن ما بين 80 و90% من الاستهلاك الداخلي يعتمد على السلع المستوردة. وخطورة هذا الادعاء، برأيه، لا تتعلق بـ”اللعب بالأرقام”، التي تحولت في لبنان إلى وجهة نظر فحسب، إنما بـ”إثارة خشية المواطنين على أمنهم الغذائي”. فعند أي طارئ دولي، يتهافت المواطنون على المتاجر لشراء ما أمكن من سلع، تحسباً لانقطاعها. وعدا عن حالة الهلع التي تسببها مثل هذه السلوكيات، فهي تدفع إلى ارتفاع الأسعار، وتحمّل المستهلكين كلفة أعلى لبضائع قد يضطرون إلى رميها لاحقاً لانتهاء صلاحيتها.

الحقيقة أن الصناعة المحلية تؤمّن أكثر من نصف حاجة الاستهلاك الداخلي. وبإمكانها رفع هذه المساهمة إلى 80%، بحسب بكداش، في أوقات الأزمات. ولنا في تجربة “كوفيد-19” مثال، حيث ساهمت الصناعة المحلية في تأمين أكثر من ثلثي حاجة السوق من المواد الغذائية والمنظفات والمعقمات، نظراً إلى تقطّع سلاسل التوريد وارتفاع كلفة البضائع المستوردة بشكل كبير. وتمثل زيادة الطلب على المنتجات المحلية حافزاً حقيقياً لزيادة حصة الصناعة من الاستهلاك والناتج على حد سواء، بحسب بكداش، مما يعزز النمو الاقتصادي ويزيد فرص العمل.

الواقع الصناعي

تشير إحصاءات “دليل الصادرات والمؤسسات الصناعية اللبنانية” حتى نهاية العام 2024 إلى أن عدد المصانع المرخّصة من قبل وزارة الصناعة بلغ 5358 مصنعاً، وذلك من أصل 8771 مصنعاً مدرجة في الدليل. فيما يصل عدد المصانع المدرجة أسماؤها في مختلف المرجعيات في لبنان، من وزارات وغرف تجارة وبلديات وغيرها، إلى 18,542 مصنعاً.

وتكمن أهمية هذه المصانع في أنها تنتج مجتمعةً 1656 سلعة، يصدر لبنان منها 1179 سلعة إلى الخارج، وهي مطابقة للمواصفات وتستوفي الشروط القانونية، مما يؤهلها لدخول الأسواق العالمية. وتشغّل هذه المصانع، بحسب أقل التقديرات، نحو 225 ألف عامل، ما يجعلها أكبر قطاع، على الإطلاق بعد الدولة، في تأمين فرص العمل.

زيادة عدد المصانع، أو بأقل الإيمان ضمان استمراريتها، تتطلب أمرين لا ثالث لهما، بحسب مصادر الصناعيين: تأمين الأمن والاستقرار الاقتصادي والسياسي، وتخفيض أكلاف الإنتاج، ولا سيما فيما يتعلق بالطاقة. أما الباقي فيصبح تفاصيل، تمكّن الصناعيين من معالجتها في أصعب الظروف التي مر بها البلد، فكيف الحال في زمن الاستقرار؟!