المركزي يضيف مدماكاً أساسياً لحماية المودعين وإعادة هيكلة المصارف.. فهل يصمد؟

المودعين

بوتيرة بطيئة، تسير عملية إعادة الودائع. منذ العام 2020، حلت التعاميم محلَّ تحقيق الانتظام في القطاع المصرفي وإنصاف المودعين. فكانت حلول “غبّ الطلب”، بعضها يُنفَّذ بحذافيره، كالتعميمين 158 و166، وبعضها الآخر ضربته المصارف بعرض الحائط، كالتعميم 154، القاضي بإعادة المصارف رسملة نفسها واستعادة جزء من الأموال المهرَّبة. ومن حيث لم يكن يتوقع الكثيرون، أصدر مصرف لبنان قراراً جديداً، ضرب بمتنه عصفوري مراقبة حركة الودائع وتنظيمها، إيذاناً بإيجاد حل نهائي لها، بحجر التعميم 174 الواحد.

 

يُنشئ التعميم 174 لدى مديرية المصارف في مصرف لبنان “مركزية المودعين”. ويلزم جميع المصارف والمؤسسات المالية العاملة في لبنان باعتماد رقم تعريفي موحّد لكل مودع، تُجمع بموجبه بياناته على مستوى القطاع المصرفي ككل، وتُصنّف ودائعه إلى أموال نقدية، وفق التعميم 165، وأموال غير نقدية. فما هي الغاية منه، خصوصاً أنه لم يُرفق بأسباب موجبة توضح الحاجة والغاية منه.

مضمون التعميم

ظاهر هذا التعميم تُرك لتفسيرات متسرّعة نحَت باتجاه التضييق على سحوبات المستفيدين من التعاميم من حساباتهم الفردية أو المشتركة في المصارف اللبنانية. أمّا باطنه فأعمق، وخصوصاً أنه صدر عقب إقرار مجلس النواب قانون إعادة هيكلة المصارف، وفق ما يرى المستشار المالي د. غسان شماس.

يتيح التعميم الجديد لمصرف لبنان معرفة المودعين في كل مصرف على حدة، وحجم ودائعهم بالتفصيل. والأهم، برأي شماس، أنه يمكّن مصرف لبنان من الاطلاع على كيفية تعامل المودعين مع ودائعهم، وإن كانت تتم بشيكات اللولار أو الفريش دولار، ويكشف إن كان هناك تواطؤ بين المصارف وزبائنها.

قاعدة البيانات هذه (DATA) ستحدد، فيما بعد، قرار مصرف لبنان بالموافقة أو الرفض على تصفية مصرف أو التدخل لإنقاذه. والأهم أن هذه هي الطريقة الوحيدة التي تتيح لمصرف لبنان التدخل لمنع المصارف من التحاويل الاستنسابية لزبائنها إلى الخارج، وتحصر الاستنسابية بالأشخاص المعرّضين سياسياً.

الآليات التطبيقية

مقابل هذه الإيجابيات المفترضة، يطرح جمع البيانات المصرفية لكل المودعين اللبنانيين والأجانب في مكان مركزي واحد سؤالاً عن كيفية حمايتها، ولا سيما في ظل الاحتمالات الكبيرة للخروقات السيبرانية. ولنسلّم جدلاً أنها ستكون محمية، فكيف سيتم تحليلها؟ يسأل شماس، خصوصاً أن تحليل مثل هذه البيانات يتطلب قدرات تقنية وبشرية قد لا تكون متوفرة في مصرف لبنان، وهي ترقى إلى مستوى ما تمتلكه الشركات المتعددة الجنسيات، على غرار شركات الذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل الاجتماعي العملاقة.

أكثر من ذلك، لم يحدد التعميم مسألتين مهمتين.

  • الأولى: وتيرة تزويد المصارف بالمعلومات، وإن كانت أسبوعية، على غرار إرسال المصارف، كل يوم اثنين وخميس، حركة الودائع الإجمالية إلى دائرة الإحصاء في الطابق الخامس، من أجل احتساب نسبة الاحتياطي الإلزامي، أم ستكون شهرية أو سنوية؟ خصوصاً أن المطلوب، بحسب التعميم 174، ليس معرفة إجمالي ما دخل إلى حسابات الودائع وما نقص منها، وإنما ما دخل وخرج من كل حساب.
  • الثانية: دور لجنة الرقابة على المصارف ذلك أن كل ما له علاقة بمودعي المصارف يجب أن يكون في عهدة “اللجنة” وليس مصرف لبنان. فالأخير يملك دائرة المعلوماتية التي تتعاطى مع حسابات المصارف، ودائرة الخزينة التي تتعاطى مع أصحاب اليوروبوندز، فضلاً عن مركزية المخاطر. فأي دائرة ستكون مسؤولة عن هذه المعلومات؟

التعميم المعني إذاً بتحرك الكتلة النقدية المصرفية أكثر من وجودها الفعلي يتطلب بعض الإجابات بآلياته التطبيقية، من وجهة نظر شماس كيلا يكون تعميماً يهدف إلى “هز العصا” للمصارف فقط، بل المساعد على إعادة هيكلتها وحماية المودعين وتحقيق العدالة، مع ضمان حماية البيانات، وذلك على غرار التعميم 154. فهذا الأخير الذي نص على زيادة الرسملة بنسبة 20% وحضّ كبار المودعين على إعادة الأموال، لم يُطبّق. وحتى إن المصارف لم تزوّد المصرف المركزي بلائحة بأسماء المحوّلين، وذلك رغم إرفاق التعميم بالملاحقة والمساءلة، تبعاً لقانون النقد والتسليف والقوانين المرعية الإجراء.

فهل يكون هذا التعميم على غرار التعميم 154؟ أم أن القرار اتخذ بتسريع إيجاد الحل للموديعن وإعادة هيكلة المصارف؟ غدا لناظره قريب.