موازنة 2027 “تبصر النور”: رسوم وضرائب لتمويل قطاع عام يزداد تضخماً

موازنة 2027

مثل الساعة تعمل الإدارة المالية في السنوات الثلاث الأخيرة. ترفع ضمن المهل القانونية مشاريع قوانين الموازنات “المتوازنة”، مشفوعة بتقارير تحليلية تتضمن الاعتمادات المطلوبة. وإن كانت هذه التقارير لا تعوّض غياب قطع الحساب، فهي تحلل الفروقات الهامة في الموازنات مقارنةً بالتي سبقتها وتعطي صورة واضحة عن تطور المالية العامة. وفي هذا السياق أتى مشروع قانون موازنة 2027 الذي رفعته وزارة المالية إلى مجلس الوزراء لدرسه وإقراره ومن ثم تحويله إلى مجلس النواب.

بلغ حجم موازنة 2027 نحو 6.9 مليار دولار بزيادة قدرت نسبتها بحوالي 13% عن موازنة العام 2026. وهي تعتمد على الواردات العادية بشكل كامل، من دون الحاجة إلى الواردات الاستثنائية التي عادةً ما تمول من الديون. وعلى غرار ما سبقها من موازنات، تعتبر موازنة العام 2027 تشغيلية، حيث ألغت المادة 14 منها قوانين البرامج وأوقفت فتح الاعتمادات للعام 2027 وما يليه العائدة لقوانين البرامج المقرة بموجب القوانين، ومن ضمنها قوانين الموازنات العامة والسابقة وتعديلاتها.

الإيرادات

يتضمن مشروع قانون موازنة 2027 زيادة في الإيرادات بقيمة 855 مليون دولار، معظمها سيتأمن من الضرائب. فبحسب مشروع القانون، تمثل الإيرادات الضريبية 86% من مجمل الإيرادات وتبلغ 5.9 مليار دولار، مقارنةً مع 969 مليون دولار فقط حصة الإيرادات غير الضريبية من مجمل الإيرادات.

موازنة 2027
في الواردات في الموازنة

تمثل الضرائب غير المباشرة 74.6% من مجمل الضرائب بقيمة 4.4 مليار دولار، وهي تتوزع على بندين عريضين:

  • الرسوم الداخلية على السلع والخدمات بقيمة تناهز 3.6 مليار دولار.
  • الرسوم على التجارة والمبادلات الدولية بقيمة 748 مليون دولار.

حاصلات المؤسسات العامة

في المقابل بلغت حاصلات إدارات ومؤسسات عامة وعائدات أملاك الدولة 745 مليون دولار فقط. وكان من اللافت تراجع إيرادات المغاور والآثار والمتاحف بشكل لافت عن العامين 2026 و2025. ففي حين قدرت عائدات هذه المرافق في مشروع قانون 2027 بنحو 300 ألف دولار، وصلت إلى 908 آلاف دولار و659 ألف دولار في موازنتي 2026 و2025 على التوالي.

وإن كان الشيءُ بالشيء يُذكَر، فإن إيرادات الاستراحات (صور، صيدا، الأمير أمين..) تراجعت بدورها بشكل كبير. فقدرت العائدات من هذه الاستراحات بنحو 28 ألف دولار، في حين بلغت 89 ألف دولار في العام 2024 و34 ألف دولار في العام 2026. ويمثل تراجع الإيرادات من هذه المرافق التي تدر على مستثمريها ملايين الدولارات إعادة النظر بوضعها وتصحيحه بما يتناسب مع حجمها ومردودها.

وفي الإطار عينه شهدت الإيرادات الناتجة عن تسوية الأملاك البحرية تراجعاً لافتاً مقارنةً بالعام الماضي بنسبة تجاوزت 50%، ووصلت في مشروع قانون موازنة 2027 إلى 16 مليون دولار مقارنةً مع 35 مليون دولار في موازنة 2025.

وكما العادة ظلت إيرادات الاتصالات الأكبر حجماً في شق الإيرادات غير الضريبية ووصلت في مشروع قانون موازنة 2027 إلى 504 ملايين دولار.

موازنة 2027
مقارنة الإيرادات في موازنة 2027 مع السنوات السابقة

النفقات

مثلت النفقات الجارية 89.2 في المئة من مجمل النفقات وبلغت نحو 6.1 مليار دولار، وقد توزعت على بندين أساسيين:

  • إجمالي المخصصات والرواتب والأجور وملحقاتها بقيمة 1.7 مليار دولار تقريباً تمثل 15% من مجمل الإنفاق.
  • المنافع الاجتماعية التي بلغت نحو 2 مليار دولار وشكلت البند الأعلى قيمة في جهة الإنفاق.

وعلى هذا الأساس بلغت تكلفة الموظفين في القطاع العام 3.7 مليار دولار تشكل 53% من مجمل الإنفاق العام.

وإذا ما أضفنا على هذين البندين ما تحتاجه الإدارات العامة للعمل من مواد وخدمات استهلاكية بقيمة تناهز 700 مليون دولار، لارتفعت قيمة النفقات على تشغيل القطاع العام إلى 4.4 مليار دولار تمثل نحو 64% من مجمل الإنفاق العام.

في المقابل لا تتجاوز مساهمة كل هذه الإدارات والمرافق والمؤسسات والمجالس بأكثر من 1 مليار دولار من الإيرادات. وتعتمد الدولة بشكل شبه مطلق على الإيرادات الضريبية غير المباشرة لتغطية الإنفاق المتضخم.

كما الأعوام السابقة لم تتضمن الموازنة فتح أي اعتماد لتسديد الديون، فبقيت خانات: تسديد سندات خزينة خارجية، وتسديد ديون خارجية، وتسديد معقودة من الدولة لصالح الخزينة، فارغة.

من الواضح أن موازنة  2027 “لا تأتي في ظروف اعتيادية”، كما أوضح البيان التمهيدي لها، بل في مرحلة مزدوجة التحديات: إدارة الأزمة المالية والحفاظ على الاستقرار المالي والنقدي، وفي الوقت نفسه حماية مسار التعافي والإصلاح. إلا أن الأرقام، كما في العامين الماضيين تحديداً، تؤشر إلى الاستمرار في القيام بالأعمال كالمعتاد BUSINESS AS USUAL: زيادة في الإنفاق لتمويل قطاع عام متضخم ونهم، تمول من الضرائب غير المباشرة وعلى حساب القدرة الشرائية للمستهلكين. وهذه هي نقطة الضعف الأكبر التي ما زالت تؤدي إلى الدوران في الحلقة المفرغة نفسها.