نادراً ما تحوز الموازنات، عن أيّ دولةٍ صدرت، على المديح؛ وهذا أمرٌ طبيعي. فالموازنة بين تلبية متطلباتٍ تزداد باضطراد، وتأمين تمويلٍ يتقهقر باستمرار، أمرٌ غير شعبوي. وإذا صغّرنا “بيكار” المقاربة، فإن الموازنة العامة للدولة أشبه ما تكون بالموازنة الأسرية، حيث إن ضمان عدم تحقيق عجزٍ يتطلب عصراً للنفقات من هنا، وتصنيف الإنفاق بحسب الأولويات من هناك، وتأمين مصادر دخلٍ إضافيةٍ دائماً. وعلى هذا الأساس، أتت موازنة 2027 في ظروفٍ غير طبيعية، ووسط تحديات الحرب، والخروج من الانهيار، وتحقيق التعافي.
تجمع موازنة 2027 حسناتٍ أكثر مما تتضمن من سيئات، برأي نائب رئيس “الجمعية اللبنانية لحقوق المكلفين”، نديم ضاهر. ومن أبرز هذه الحسنات إعدادها ضمن إطارٍ ماليٍّ متوسط الأجل، يرسم المسار المالي المتوقع لغاية العام 2030، وذلك استناداً إلى مجموعةٍ من الافتراضات الاقتصادية الكلية، وإلى برنامجٍ من الإصلاحات والسياسات الهادفة إلى معالجة إرث الأزمة وبناء أسس التعافي المستدام…

الإيرادات لغاية 2030
تتوقع وزارة المالية ارتفاع إجمالي الإيرادات إلى حدود 8.8 مليار دولار في حلول العام 2030، من 5.5 مليار دولار في العام 2025، أي أن الإيرادات سترتفع بنسبة 62% في غضون 5 سنوات. الجزء الأكبر من هذه الإيرادات سيتأمن من الضرائب، التي ستشكل ما نسبته 85.4% من مجمل الإيرادات، وبقيمة تصل إلى 7.7 مليار دولار في العام 2030.
في المقابل، فإن حصة الإيرادات غير الضريبية لن تزداد إلا بنسبة 22.8% بين 2025 و2030، لتصل إلى 1.1 مليار دولار فقط، تمثل نحو 14% من مجمل الإيرادات.
النفقات
لجهة النفقات، فإن الموظفين العامين سيبقون يستحصلون على القيمة الأكبر من النفقات، وسترتفع قيمة هذا البند بنسبة 57%، من نحو 2.6 مليار دولار في العام 2025 إلى حدود 4.6 مليار دولار في العام 2030. وستشكل كلفة الموظفين نحو 56% من مجمل النفقات. ومن الملاحظ أن كلفة الموظفين سترتفع ابتداءً من العام 2027 بنسبة 4.8% سنوياً، ما يعني فعلياً أن الموازنات لم تأخذ بعين الاعتبار مضاعفة الرواتب لتصل إلى 60 ضعفاً بحلول العام 2030، كما يطالب الموظفون.
كما لم تلحظ الخطة المالية خدمة الدين العام، والتي بقيت عند 116 مليون دولار في العامين 2029 و2030. وكان لافتاً الزيادة التي ستلحق ببند الإنفاق الاستثماري، الذي زاد بنسبة 193%، من 340 مليون دولار في العام 2025 إلى حدود المليار دولار في العام 2030، و”هو ما سبب بتضخم الموازنة نسبيا خلال هذا العام وما سيليه”، بحسب ضاهر.
توسيع قاعدة المكلّفين بالضرائب
لتمويل هذه الإجراءات، تؤكد وزارة المالية أن “استراتيجيتها (…) لا تقوم على فرض أعباء ضريبية جديدة على المكلّفين، بل على توسيع قاعدة المكلّفين بالضرائب، وضمان امتثالهم لالتزاماتهم الضريبية، ومكافحة التهرّب الضريبي، وتعزيز كفاءة الإدارة الضريبية”، مع الحرص على “إعادة بناء الثقة بين الدولة والمكلّف” من خلال تعزيز “عدالة النظام الضريبي وشفافيته”. وباستنثاء الزيادة الضريبية على شركات “الأوف شور” و”الهولدنغ” فإن الموازنة لا تتضمن ضرائب جديدة يقول ضاهر، ومن أبرز الإجراءات الضريبية التي تضمنتها موازنة 2027، يفند ضاهر المواد التالية، وانعكاساتها:
- المادة 20: تقترح زيادة الضريبة السنوية المقطوعة المفروضة على الشركات القابضة (Holding) إلى أربعة أضعاف، لتبلغ 200 مليون ليرة لبنانية (نحو 2,234 دولاراً)، بدلاً من 50 مليون ليرة (نحو 550 دولاراً). كما تقترح أن يتم إعداد التصريح الضريبي السنوي بالعملة التي يحدَّد بها رأسماله؛ فإذا كان رأس المال مقوّماً بعملة أجنبية، كالدولار أو اليورو، يتعيّن إعداد التصريح الضريبي بالعملة نفسها.
- المادتان 22 و23: تنصّان على التعديلات نفسها بالنسبة إلى الشركات الأوفشور (Offshore) المنشأة في لبنان. أما المادة 24 فتقترح إلغاء الإعفاء من ضريبة التركات المطبّق على أسهم الشركات الأوفشور المنشأة في لبنان. ومن شأن هذه الإجراءات أن تضعف إلى حد كبير القدرة التنافسية للبنان مقارنةً بالدول الأخرى التي تعتمد أنظمة أوفشور مماثلة.
- المادة 34: تقترح تحديد قيمة حق الانتفاع بالعقارات، وكذلك بالأموال المنقولة، ولا سيما أسهم الشركات، استناداً إلى عمر صاحب حق الانتفاع، وذلك لأغراض احتساب ضريبة التركات. وبذلك، يصبح حق الانتفاع في الأسهم خاضعاً للتقييم نفسه المعتمد في احتساب ضريبة التركات.
- المادة 37: تقترح الحدّ من الإعفاء من الضريبة على الأملاك المبنية إلى ثلاث سنوات إذا كان العقار قد شُيّد من قبل مطوّر عقاري، وإلى سنة واحدة فقط في الحالات الأخرى.
- المادة 43: تفتح المجال أمام الحكومة، بناءً على اقتراح وزير المالية، لاتخاذ إجراءات تقضي بوقف أي معاملة أو إجراء إداري للمكلّفين الذين لم يسدّدوا الضرائب المتوجبة عليهم.
- ومن بين الإجراءات الأخرى اللافتة، تنصّ المادة 42 على تمكين وزارة المالية من إجراء مطابقة بين التصاريح المتعلقة بضريبة الرواتب والأجور والتصاريح المقدّمة إلى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، بهدف تحديد الفروقات بين قاعدتي التصريح ومعالجتها، وهي فروقات اتسعت خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما نتيجة اعتماد أسعار صرف مختلفة.
- أما المادة 44، فتتضمن تخفيضاً بنسبة 85% من الغرامات والجزاءات المتوجبة للإدارات والمؤسسات والبلديات. إلا أن المادة توضح أن هذا التخفيض لا يشمل الغرامات المفروضة على التعديات على أملاك الدولة البحرية، ولا الغرامات الخاضعة لقوانين تنص على آليات تسوية خاصة، فضلاً عن حالات أخرى محددة.
وتتضمن بقية الأحكام بصورة أساسية زيادات في رسوم الطوابع والرسوم الإدارية، إلى جانب بعض التعديلات الثانوية على قانون ضريبة القيمة المضافة (VAT).
